فصل: تراكها من إبل تراكها(br)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: خزانة الأدب وغاية الأرب ***


باب التوكيد

أنشد فيه؛ الشاهد الثامن والخمسون بعد الثلاثمائة‏:‏ الرجز

أقسم بالله أبو حفص عمر

على أنه ربما دل على عطف البيان بعض متبوعاته مع قلة الاشتراك، كأبي حفص وهو المتبوه، يدل على عطف البيان وهو عمر، كما بينه الشارح المحقق‏.‏

وقد أورده في باب عطف البيان وشرحه هناك‏.‏

وهو أول رجز قاله أعرابي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏

وسببه ما رواه المحدثون عن أبي رافع، أن أعرابياً أتى عمر فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين، إن أهلي بعيد، وإني على ناقة دبراء نقباء، فاحملني‏.‏ فقال عمر‏:‏ كذبت والله ما بها نقب ولا دبر‏!‏ فانطلق الأعربي فحل ناقته، ثم استقبل البطحاء وجعل يقول، وهو يمشي خلف ناقته‏:‏

أقسم باللّه أبو حفصٍ عمر *** ما إن بها من نقبٍ ولا دبر

اغفر له اللهمّ إن كان فجر

ويروى‏:‏ ما مسها من نقب‏.‏ وعمر بن الخطاب رضي الله عنه مقبل من أعلى الوادي، فجعل إذا قال‏:‏

اغفر له اللهمّ إن كان فجر

قال‏:‏ اللهم صدق‏!‏ حتى التقيا فأخذ بيده فقال‏:‏ ضع عن راحلتك‏.‏ فوضع، فإذا هي كما قال، فحمله على بعير، وزوده وكساه‏.‏

وروي هذا الأثر بألفاظ مختلفة‏.‏

وهذا المقدار من الرجز هو المشهور، وفي رواية الأصمعي أزيد من هذا، قال أبو عبد الله محمد بن الحسين اليمني في طبقات النحويين في ترجمة الأصمعي أخبرنا ابن مطرف قال‏:‏ أخبرنا ابن دريد قال‏:‏ أخبرنا عبد الرحمن عن عمه الأصمعي قال‏:‏ وقف أعرابي بين يدي عمر بن الخطاب فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين أبدع بي وأدمت بي راحلتي، ودبر ظهرها ونقب خفها‏!‏ فقال له عمر‏:‏ والله ما أظنك أنقبت ولا أحفيت، فخرج الرجل، ثم خرج عمر‏.‏ قال‏:‏ والرجل يقول‏:‏

أقسم باللّه أبو حفصٍ عمر *** ما مسّها من نقبٍ ولا دبر

حقّاً ولا أجهدها طول السّفر *** واللّه لو أبصرت نضوى يا عمر

وما بها عمرك من سوء الأثر *** عددتني كابن سبيلٍ قد حضر

فرق له عمر وأمر له ببعير ونفقة‏.‏ انتهى‏.‏

والدبراء، من دبر ظهر الدابة من باب فرح، إذا جرح من الرحل والقتب‏.‏ وأدبرت البعير فدبر وأدبر الرجل، إذا دبر بعيره، فهو مدبر‏.‏ والنقباء من نقب البعير من باب فرح أيضاً، إذا رق خفه‏.‏ وأنقب الرجل، إذا نقب بعيره‏.‏

وقوله‏:‏ فاحملني، أي‏:‏ أعطني حملةً، وهي بالفتح ما يحمل عليه الناس من الدواب، كالركوبة‏.‏

وقوله‏:‏ أقسم بالله أبو حفص عمر عمر أبو حفص‏:‏ فاعل أقسم بمعنى حلف، وهو كنية عمر‏.‏ واستشهد به ابن هشام في شرح الألفية في جواز تقديم الكنية على الاسم‏.‏

وقوله‏:‏ ما إن بها إن زائدة‏.‏ وقوله‏:‏ إن كان فجر، قال ابن الأنباري في الزاهر الفاجر في كلام العرب‏:‏ العادل المائل عن الخير، وإنما قيل للكذاب فاجر لأنه مال عن الصدق‏.‏ وأنشد هذا الشعر‏.‏

وقوله‏:‏ ضع عن راحلتك، أي‏:‏ ارفع عنها قتبها‏.‏ وقوله في رواية الأصمعي‏:‏ أبدع بي بالبناء للمفعول، أي‏:‏ انقطع بي لكلال راحلتي، فكأن راحلته جاءت ببدعة‏.‏

وقوله‏:‏ ما أظنتك أنقبت ولا أحفيت كلاهما بالبناء للفاعل، يقال‏:‏ أحفى الرجل إذا حفيت دابته، أي‏:‏ رق خفها وحافرها من كثرة المشي‏.‏ والنضو بكسر النون وسكون المعجمة‏:‏ المهزول‏.‏

وقوله‏:‏ عمرك مبتدأ وخبره محذوف، أي‏:‏ قسمي، والجملة معترضة؛ وهي بفتح العين‏.‏

وهذا الرجز نسبه ابن حجر في الإصابة إلى عبد الله بن كيسبة، بفتح الكاف وسكون المثناة التحتية وفتح المهملة بعدها باء موحدة، النهدي‏.‏ ذكره المرزباني في معجم الشعراء قال‏:‏ وكيسبة أمه، ويقال اسمه عمرو‏.‏ وهو القائل لعمر بن الخطاب واستحمله فلم يحمله‏:‏

أقسم باللّه أبو حفصٍ عمر

الأبيات الثلاثة‏.‏ وكان نظر إلى راحلته لما ذكر أنها أعجفت فقال‏:‏ والله ما بها من علة‏!‏ فرد عليه، فعلان بالدرة، وهرب وهو يقول ذلك، فلما سمع عمر آخر كلامه حمله وأعطاه‏.‏ وله قصة مع أبي موسى في فتح تستر‏.‏ وقيل بأن كنيته أبو كيسبة، وإن عمر سمعه ينشدها فاستحلفه أنه ما عرف بمكانه، فحلف فحمله‏.‏ انتهى‏.‏

وقد ذكره في قسم المخضرمين الذين أدركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يروه‏.‏

وزعم ابن يعيش في شرح المفصل أن الرجز لرؤبة بن العجاج‏.‏ وهذا لا أصل له، فإن رؤبة مات في سنة خمس وأربعين ومائة، ولم يعده أحد من التابعين فضلاً عن المخضرمين‏.‏ والله أعلم‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الوافر

فلا واللّه لا يلفى لما بي *** ولا للما بهم أبداً دواء

على أنه ضرورة، حيث أكد اللام الأولى باللام الثانية بدون ذكر مجرور الأولى، والقياس لما لما بي‏.‏

وهذا البيت قد تقدم شرحه مع قصيدته وسببها مستوفىً في الشاهد الرابع والثلاثين بعد المائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

وصالياتٍ ككما يؤثفين

لما تقدم قبله، ومضى الكلام عليه مفصلاً في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد التاسع والخمسون بعد الثلاثمائة‏:‏ الطويل

فأين إلى أين النّجاء ببغلتي *** أتاك أتاك اللاّحقوك احبس احبس

على أن المستقبل يجوز تكريره بلا فصل‏.‏ والظاهر أن المراد أنه من تكرير المفردات لا الجمل، وهو الظاهر أيضاً من كلام ابن جني في إعراب الحماسة قال‏:‏ أول البيت توكيد الاستفهام، وفي الثاني توكيد الخبر، وفي آخره توكيد الأمر‏.‏

وقال ابن الشجري في أماليه‏:‏ هذا البيت فيه تكرير ثلاث جمل، أراد إلى أين تذهب، إلى أين تذهب، أتاك أتاك اللاحقوك احبس احبس، وهذا يقوي ما ذهب إليه الكسائي من حذف الفاعل في باب إعمال الفعلين‏.‏ ألآ تراه لو أضمر الفاعل‏.‏ ولم يحذفه، لقال‏:‏ أتوك أتاك اللاحقوك، وأتاك أتوك‏.‏ انتهى‏.‏

والصحيح أن الثلاثة من توكيد المفردات‏.‏

أما الأول فأين مجرورة بإلى المحذوفة المدلول عليها بالمذكورة، وهو خبر مقدم، وإلى أين توكيده، والنجاء مبتدأ مؤخر، وهو مصدر نجا ينجو نجاء، إذا أسرع وسبق‏.‏

وزعم العيني أن إلى أين هو الخبر، وأن أين ظرف لمحذوف، أي‏:‏ أين تذهب‏.‏ وهذا غني عن الرد‏.‏

وأما الثاني فإن اللاحقوك، وهو جمع مذكر سالم، مضاف للكاف وحذفت نونه للإضافة فاعل لأتاك الأول، وأتاك الثاني تأكيد له‏.‏ ولما كان الأول متصلاً به ضمير المفعول اتصل بالثاني ليوافق الأول‏.‏

وقد اختلف النحويون في نحو قام قام زيد، فقيل‏:‏ زيد فاعل الأول فقط، وأما الثاني فإنه يحتاج لفاعل، لأنه لم يؤت به للإسناد، وإنما أتي به لمجرد التأكيد‏.‏ وقيل فاعلهما، ولا يلزم منه اجتماع العاملين على معمول واحد لأن لفظهما ومعناهما واحد، فكأنهما عامل واحد‏.‏

وقيل فاعل أحدهما وفاعل الآخر ضمير محذوف، على أنهما تنازعاه‏.‏ وقد رده ابن الناظم وابن هشام في شرح الألفية لأنه ليس هذا من مواضع حذف الفاعل، ولو كان من التنازع لقيل‏:‏ أتوك أتاك، وأتاك أتوك‏.‏

وأما الثالث فإن الأمر الثاني توكيد للأمر الأول، وتوكيد الضمير للضمير بالتبعية ضرورة، إذ لا يمكن انفكاكه عن المر‏.‏ ويجوز أن يكون توكيداً مقصوداً فيكون من قبيل توكيد الجمل‏.‏

وزعم العيني أن مفعول احبس تقديره نفسك‏.‏ وهذا لا يناسب المقام‏.‏ والظاهر أنه‏:‏ بغلتي؛ لوجود القرينة‏.‏

وهذا البيت مع شهرته لم يعلم له قائل ولا تتمة، والله أعلم‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد الستون بعد الثلاثمائة‏:‏ الكامل

لا لا أبوح بحبّ بثنة إنّه *** أخذت عليّ مواثقاً وعهودا

لما تقدم قبله‏.‏ وهذا في الحرف، وما قبله في تكرير الاسم والفعل‏.‏ وأبوح‏:‏ مضارع باح الشيء بوحاً من باب قال، بمعنى ظهر، ويتعدى بالحرف فيقال‏:‏ باح به صاحبه، وبالهمزة أيضاً فيقال‏:‏ أباحه‏.‏

بثنة بفتح الموحدة وسكون المثلثة بعدها نون‏:‏ اسم محبوبة جميل بن معمر العذري، والمشهور بثينة بالتصغير، وهي مجرورة بالفتحة لأنها لا تنصرف‏.‏

وزعم العيني أنها في محل الجر‏.‏ وقوله‏:‏ إنها بالكسر استئناف بياني‏.‏ ومواثق‏:‏ جمع موثق، وهو العهد‏.‏ وأما المواثيق فهو جمع ميثاق، وربما قيل مياثيق على لفظ الواحد‏.‏

والبيت من قصيدة لجميل العذري، وقد تقدمت ترجمته في الشاهد الثاني والستين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد الحادي والستون بعد الثلاثمائة، وهو من شواهد سيبويه‏:‏ الرجز

تراكها من إبل تراكها

على أن المستقبل يجوز تكريره للتأكيد مع فاصل، كما جاز بدونه‏.‏ وتراك‏:‏ اسم فعل أمر بمعنى اترك‏.‏

وله أورده سيبويه‏.‏ وهو متعد إلى الضمير، نصبه على المفعولية‏.‏ ولما لم يتقدم مرجعه فسره بالتمييز المجرور بمن المبنية‏.‏

قال أبو عبيدة في أماليه كانوا في الجاهلية إذا غنموا الغنيمة فلحقها أربابها قالوا للسائقين‏:‏

تراكها من إبل تراكها

أي‏:‏ خلوا عنها‏.‏ فيقول السائقون‏:‏

أما ترى الموت على أوراكها

أي‏:‏ مآخيرها، أي‏:‏ إنا نحميها‏.‏

وبعضهم يقول‏:‏

مناعها من إبل مناعها

فيجاب بقولهم‏:‏

أما ترى الموت لدى أرباعها

يعنون أفتاءها‏.‏ انتهى‏.‏

وقال يعقوب بن السكيت‏:‏ أغير على إبل قوم من العرب، فلحق أصحاب الإبل؛ فجعلوا لا يدنو منها أحد إلا قتلوه، فقال الذين أغاروا على الإبل‏:‏

تراكها من إبل تراكه *** أما ترى الموت لدى أرباعها

فقال أصحاب الإبل‏:‏

مناعها من إبل مناعه *** أما ترى الموت لدى أرباعها

وفي أمالي ابن الشجري‏:‏ وقال آخر‏:‏

تراكها من إبل تراكه *** أما ترى الموت لدى أوراكها

أراد أن أوراكها من شدة السير، كأنها في استرخائها قد شارفت الموت‏.‏ ومثله قول الآخر‏:‏

مناعها من إبل مناعه *** أما ترى الموت لدى أرباعها

الأرباع‏:‏ جمع الربع، وهو ولد الناقة التي تلده في الربيع‏.‏ والهبع‏:‏ الذي تلده في أول الصيف، وجمعه أهباع، كرطب وأرطاب‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ أراد أن أوراكها من شدة السير الخ، لا وجه له، وكأنه لم يقف على ما قدمنا‏.‏

وقال ابن خلف‏:‏ هذا قول طفيل بن يزيد الحارثي حين أغارت كندة على نعمه، فلحقهم وهو يقول‏:‏

تراكها من إبل تراكها

أما ترى الموت الخ

ويروى‏:‏

دراكها من إبلٍ دراكها

ويروى‏:‏

قد لحق الموت على أوراكها

وحمل على فحل الإبل فعقره، فاستدارت النعم حوله، ولحقت به بنو الحارث ابن كعب، فاستنقذوا ماله، وهزمت كندة‏.‏ قال سيبويه‏:‏ فهذا اسم لقوله‏:‏ اتركها، أي‏:‏ هي محمية من أن يغار عليها، فاتركها وانج بنفسك‏.‏

وقوله‏:‏ أرباعها الأرباع‏:‏ جمع ربع، وهو ولد الناقة‏.‏ وأولاد الإبل تتبعها‏.‏

والقتال يشتد إذا لحق الإبل أصحابها؛ وإنما يقع القتال عند مآخيرها، لأن الذين أغاروا عليها يطردونها ويسوقونها، وأصحابها يمنعونهم من ذلك‏.‏ وهو مثل قول الآخر‏:‏

أما ترى الموت لدى أوراكها

ويجوز أن يريد بالأرباع جمع ربع بالفتح، وهو المنزل، يعني أنهم اقتتلوا في المواضع التي فيها الإبل‏.‏ انتهى‏.‏

وطفيل بن يزيد الحارثي‏:‏ شاعر فارس جاهلي‏.‏

ولم يذكر الآمدي في المؤتلف والمختلف هذا، مع أنه أورد خمسة ممن اسمهم طفيل‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد الثاني والستون بعد الثلاثمائة الرجز

أقبلن من ثهلان ووادي خيم *** على قلاصٍ مثل خيطان السّلم

على أن الأندلسي جوز أن يقال في جمع المذكر العاقل المكسر الرجال كلهن، مستدلاً بهذا البيت‏.‏ ولم يظهر لي وجهه، وكأن وجه الاستدلال أن نون أقبلن ضمير العقلاء الذكور، أي‏:‏ الرجال والركب ونحوهما، وإنما أنث لتأويله بالجماعة‏.‏

والدليل على أن مرجع الضمير ما ذكر قوله بعد‏:‏ الرجز

حتّى أنخناها على باب الحكم

فدل ما بعد الكلام على ما قبله‏.‏ وفيه أنه لا يجب أن يتحدا، ويجوز أن تكون النون ضمير النسوة، وأن أصله أقبلنا، فحذفت الألف ضرورة، فيكون من باب التقارض‏.‏

وهذه المسألة لم أرها إلا هنا عن الأندلسي‏.‏ وقد راجعت شروح التسهيل وارتشاف الضرب، فلم أر فيها أن النون تعود على الجمع المكسر للعاقل بتأويله بالجماعة‏.‏

ويشهد لما ذهب إليه الأندلسي قول الفرزدق‏:‏ الطويل

بحوران يعصرن السّليط أقاربه

سواء أجعلت النون حرفاً، أم ضميراً‏.‏ ويأتي شرحه بعد هذا في الشاهد السادس والسبعين بعد الثلاثمائة‏.‏

وهذا أول رجز لجرير بن الخطفى، أورد المبرد بعضاً منه في الكامل وفي الاعتنان‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ أخبرنا أيوب بن كسيب بن عطاء بن الخطفى قال‏:‏ قدم جرير في إمرة الحكم بن أيوب الثقفي البصرة، وكان الحكم ابن عم الحجاج وعامله‏.‏ قال‏:‏ وأنا معه، وكان أيوب بن كسيب لا يفارقه، ومدح الحكم فقال‏:‏

أقبلن من ثهلان ووادي خيم *** على قلاصٍ مثل خيطان السّلم

حتّى أنخناها إلى باب الحكم *** خليفة الحجّاج غير المتّهم

في ضئضئ المجد وبحبوح الكرم

فأعجب به الحكم بن أيوب ووجده باقعة‏.‏ قال‏:‏ فكتب إلى الحجاج‏:‏ إنه قدم علي أعرابي شيطان من أشعر الناس وأفصحهم، ووصفه له‏.‏ قال‏:‏ فكتب الحجاج أن يسرحه إليه حين يقرأ كتابه‏.‏ قال‏:‏ فلما قدم الكتاب أمرنا الحكم، فشخصنا حتى قدمنا على الحجاج، وامتدحه جرير بكلمته التي يقول فيها‏:‏ الطويل

ومن يأمن الحجّاج أمّا عقابه *** فمرٌّ وأمّا عقده فوثيق

قال‏:‏ وأما مسحل بن كسيب أخو أيوب، فحدثني أن أول كلمة امتدحه بها كلمته التي يقول فيها‏:‏ الكامل

من سدّ مطّلع النّفاق عليكم *** أم من يصول كصولة الحجّاج

أم من يغار على النّساء عشيّةً *** إذ لا يثقن بغيرة الأزواج

قال‏:‏ فأمر له الحجاج بأربعة آلاف درهم، وكساء حلة صفراء، وأنزلنا في دار ضيافته‏.‏ انتهى‏.‏

وزاد في الكامل أن جريراً لما دخل على الحجاج قال له‏:‏ بلغني أنك ذو بديهة، فقل لي في هذه - لجارية قائمة على رأسه - فقال جرير‏:‏ ما لي أن أقول فيها حتى أتأملها، ومالي أن أتأمل جارية الأمير‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ بلى فتأملها واسألها‏.‏ فقال لها‏:‏ ما اسمك يا جارية‏؟‏ فأمسكت، فقال لها الحجاج‏:‏ خبريه يا لخناء‏.‏ فقالت‏:‏ أمامة‏.‏ فقال جرير‏:‏ الكامل

ودّع أمامة حين حان رحيل *** إنّ الوداع لمن تحبّ قليل

مثل الكثيب تمايلت أعطافه *** فالرّيح تجبر متنه وتميل

هذي القلوب صوادياً تيّمته *** وأرى الشّفاء وما إليه سبيل

فقال الحجاج‏:‏ قد جعل الله لك السبيل إليها، خذها هي لك‏.‏ فضرب بيده إلى يدها فتمنعت عليه؛ فقال‏:‏ الكامل

إن كان طبّكم الدّلال فإنّه *** حسنٌ دلالك يا أمام جميل

فاستضحك الحجّاج وأمر بتجهيزها معه إلى اليمامة‏.‏ وخبرت أنها كانت من أهل الري، وكان إخوتها أحراراً، فاتبعوه، فأعطوه بها حتى بلغوا عشرين ألفاً، فلم يفعل‏.‏

وفي ذلك يقول‏:‏ الطويل

إذا عرضوا عشرين ألفاً تعرّضت *** لأمّ حكيمٍ حاجةٌ هي ما هيا

لقد زدت أهل الرّيّ عندي مودّةً *** وحبّبت أضعافاً إليّ المواليا

فأولدها حكيماً، وبلالاً، وحرزة، بني جرير‏.‏ انتهى‏.‏

وثهلان‏:‏ بفتح المثلثة‏:‏ جبل باليمن، وقال حمزة الأصبهاني‏:‏ هو جبل بالعالية‏.‏ وأصل الثهل الانبساط على الأرض‏.‏ ولضخم هذا الجبل تضرب به العرب المثل في الثقل فتقول‏:‏ أثقل من ثهلان‏.‏ وخيم بكسر الخاء المعجمة‏:‏ جبل‏.‏

قال صاحب الأغاني‏:‏ ثهلان جبل كان لباهلة، ثم غلبت عليه نمير‏.‏ وخيم‏:‏ جبل يناوحه من طرفه الأقصى، فيما بين ركنه الأقصى وبين مطلع الشمس، به ماء ونخل‏.‏ انتهى‏.‏

وهذا هو المشهور، والذي في ديوانه، ورواه أبو عبيد البكري في المعجم‏:‏

أقبلن من جنبي فتاخ وإضم

وقال‏:‏ فتاخ بكسر الفاء بعدها مثناة فوقية وآخره خاء معجمة‏:‏ موضع‏.‏ وقال الهجري‏:‏ فتاخ بأطراف الدهناء مما يلي اليمامة‏.‏ وإضم بكسر الهمزة‏:‏ واد دون المدينة، وقيل جبل‏.‏ والقلاص‏:‏ جمع قلوص، وهي الناقة الشابة‏.‏ وخيطان جمع خوط بضم الخاء المعجمة، وهو الغصن‏.‏

وروى الزمخشري في مستقصى الأمثال‏:‏ مثل أغصان السلم‏.‏ أراد أن القلاص هزلت من شدة السفر حتى صارت كأغصان السلم، في الدقة والضمر‏.‏

وزاد أبو عبيد البكري بعد هذا في شرح أمالي القالي‏:‏

قد طويت بطونها على الأدم *** إذا قطعن علماً بدا علم

فهنّ بحثاً كمضلاّت الخدم *** حتّى تناهين إلى باب الحكم

العلم‏:‏ الجبل‏.‏ قال الزمخشري في مستقصى الأمثال‏.‏ قوله‏:‏

إذا قطعن علماً بدا علم

مثل يضرب لمن يفرغ من أمر، فيعرض له آخر‏.‏

وقوله‏:‏ فهن بحثاً، أي‏:‏ يبحثن بحثاً بمناسمهن الأرض، كما يبحث المضلات خلاخيلهن في التراب‏.‏ والخدم‏:‏ جمع خدمة بفتح الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة، هو الخلخال‏.‏ والضئضئ، بكسر الضادين المعجمتين والهمزة الأولى بينهما ساكنة‏:‏ الأصل والجنس‏.‏ والبحبوح بضم الباءين والحاء المهملة الأولى بينهما ساكنة‏:‏ الوسط‏.‏

وقد أورد صاحب الأغاني حكاية جرير مع الحجاج على غير هذا النمط، وأطال وزاد الأبيات‏.‏

وترجمة جرير قد تقدمت في الشاهد الرابع في أول الكتاب‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد الثالث والستون بعد الثلاثمائة الرجز

يا ليتني كنت صبيّاً مرضع *** تحملني الذّلفاء حولاً أكتعا

على أن الكوفيين استشهدوا به على جواز توكيد النكرة المؤقتة المعلومة المقدار، وهو حول بمعنى العام‏.‏

قال صاحب المصباح‏:‏ حال حولاً من باب قال، إذا مضى‏.‏ ومنه قيل للعام حول وإن لم يمض، لأنه سيكون حولاً، تسميةً بالمصدر‏.‏

وفيه شاهد آخر، وهو التأكيد بأكتع غير مسبوق بأجمع‏.‏ وبعده بيت آخر وهو‏:‏

إذا بكيت قبّلتني أربع *** إذن ظللت الدّهر أبكي أجمعا

وفيه أيضاً شاهدان‏:‏ أحدهما‏:‏ التأكيد بأجمع غير مسبوق بكل‏.‏ وثانيهما‏:‏ الفصل بين المؤكد، وهو الدهر، وبين المؤكد، وهو أجمعا، بجملة أبكي‏.‏ وبهذا استشهد ابن هشام في المغني‏.‏

قال ابن عبد ربه في العقد الفريد‏:‏ نظر أعرابي إلى امرأة حسناء، ومعها صبي يبكي، فكلما بكى، قبلته، فأنشأ يقول هذا الرجز‏.‏

وقوله‏:‏ يا ليتني الخ، يا حرف تنبيه، ومرضع اسم مفعول من أرضعته إرضاعاً‏.‏ وجملة‏:‏ تحملني الذلفاء صفة ثانية‏.‏ ويجوز أن تكون حالاً من ضمير مرضع، ويجوز أن تكون خبراً ثانياً لكنت‏.‏

والذلفاء بفتح الذال المعجمة وبعد اللام الساكنة فاء‏:‏ وصف مؤنث أذلف، من الذلف، وهو صغر الأنف، واستواء الأرنبة‏.‏ ويحتمل أنه اسم امرأة منقول من هذا‏.‏ وأكتع قال صاحب الصحاح‏:‏ يقال إنه مأخوذ من قولهم‏:‏ أتى عليه حول كتيع، أي‏:‏ تام‏.‏

وقوله‏:‏ أربعا، أي‏:‏ تقبيلاً أربعا‏.‏ وظللت بكسر اللام، وظل بمعنى استمر من أخوات كان، التاء اسمها، وجملة أبكى في موضع نصب خبرها، والدهر ظرف لأبكي‏.‏ وجملة إذن ظللت الخ، جواب لشرط محذوف، أي‏:‏ إن حصل ما تمنيته استمررت في البكاء حتى تستمر الذلفاء تحملني، وتقبلني، كلما بكيت‏.‏

وزعم العيني أن التقدير‏:‏ إن لم يكن الأمر كذا إذن ظللت الخ‏.‏ ولا يخفى أن هذا عكس مراد الشاعر‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الرجز

قد صرّت البكرة يوماً أجمعا

لما تقدم قبله‏:‏ قال ابن جني في إعراب الحماسة‏:‏ هذا شاذ، وإن لم يكن مصنوعاً فوجهه عندي أن أجمع هذه ليست التي تستعمل للتأكيد، أعني التي مؤنثها جمعاء، ولكن التي في قولك‏:‏ أخذت الماء بأجمعه وأمعه، بفتح الميم وضمها، أي‏:‏ بكليته، فدخلو العامل عليها ومباشرته إياها، يدل على أنها ليست التابعة للتوكيد، فذلك قوله‏:‏ يوماً أجمعا، أي‏:‏ يوماً بأجمعه، ثم حذف حرف الجر، ثم أبدل الهاء ألفاً فصار أجمعا‏.‏ انتهى‏.‏

وقال العيني‏:‏ الرواية الصحيحة‏:‏

قد صرّت البكرة يوماً أجمع

على أن يوماً من غير تنوين، وأصله يومي، فالألف منقلبة عن ياء المتكلم، فأجمع توكيد للمعرفة‏.‏

أقول‏:‏ إن كان يومي ظرفاً، فلم لم ينصب أجمع، وإن كان غير ذلك فما هو، مع أن ما قبله عنده‏:‏

إنّا إذا خطّافنا تقعقعا

وهذا من الرجز الذي لا يجوز اختلاف قوافيه‏.‏ وهذا التوجيه تعسفه ظاهر ككلام ابن جني‏.‏

وقد استدل الكوفيون بأبيات أخر، منها قوله‏:‏ البسيط

لكنّه شاقه أن قيل ذا رجب *** يا ليت عدّة حولٍ كلّه رجب

ومنها قوله‏:‏ الوافر

ثلاثٌ كلّهنّ قتلت عمداً

ومنها قوله‏:‏ الرجز

إذا القعود كرّ فيها حفد *** يوماً جديداً كلّه مطّردا

ومنها قوله‏:‏ المتقارب

زحرت به ليلةً كلّه *** فجئت به مودناً خنفقيقاً

قال ابن الأنباري في مسائل الخلاف‏:‏ أجاب البصريون عن هذه الأبيات بأن الرواية في الأول يا ليت عدة حولي بالإضافة إلى الياء‏.‏ وعن الثاني بأن كلهن بدل من ثلاث، وجملة كلهن قتلت خبر عن الثلاث‏.‏ وعن الثالث بأن كله بالرفع لتوكيد الضمير في جديد‏.‏ وأما قد صرت البكرة يوماً أجمعا فمجهول‏.‏ لا يعرف قائله‏.‏

هذا كلامه، وهو مبني على الطعن في روايتهم، وهذا لا يجوز، لأنهم ثقات‏.‏

ثم قال‏:‏ وأما قول الكوفيين بأن اليوم مؤقت، فيجوز أن تقعد بعضه، والليلة مؤقتة فيجوز أن تقوم بعضها، فإذا أكدت صح معنى التأكيد‏.‏ قلنا‏:‏ هذا لا يستقيم، فإن اليوم، وإن كان مؤقتاً، إلا أنه لم يخرج عن كونه نكرة شائعة، وتأكيدها بالمعرفة لا يجوز، لأن تأكيد ما لا يعرف لا فائدة فيه‏.‏ انتهى‏.‏

أقول‏:‏ ادعاؤه عدم الاستقامة ممنوع، والفرق ظاهر، فإن التأكيد باعتبار أجزاء اليوم، والليلة ليشمل جميعها، والشيوع باعتبار جنس اليوم والليلة، فأين هذا من ذاك‏.‏

وقد أشار الشارح المحقق إلى ما ذكرنا، والله أعلم‏.‏

وقد تقدم شرح هذا البيت في الشاهد الخامس والعشرين من أوائل الكتاب‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد الرابع والستون بعد الثلاثمائة الطويل

أولاك بنو خيرٍ وشرٍّ كليهم *** جميعاً ومعروفٍ ألمّ ومنكر

على أن حمل كليهما فيه على البدل عند أهل المصرين أولى؛ لأن خيراً وشراً ليسا بمؤقتين‏.‏

قال ابن جني في إعراب الحماسة‏:‏ الوجه في قوله‏:‏ بنو خير وشر كليهما أن لا يكون كليهما تأكيداً، لكن يكون بدلاً من خير وشر، حتى كأنه قال‏:‏ بنو كل خير وشر؛ فقد يضاف إلى المفرد المعطوف عليه مثله بالواو في ضرورة الشعر، كما قال‏:‏ الطويل

كلا السّيف والسّاق التي ضربت به *** على دهشٍ ألقاه باثنين صاحبه

وإنما جاز ذلك من حيث كان ما عطف بالواو بمنزلة ما جمع في لفظة واحدة‏.‏ ألا تراك تقول‏:‏ زيد وعمرو أخواك، فإن أخبرت عنهما جميعاً، قلت‏:‏ اللذان هما أخواك زيد وعمرو، فتأتي بضميرهما جزءاً واحداً، وكان أحدهما على صاحبه معطوفاً‏.‏ وكذلك‏:‏ زيد وعمرو مررت بهما‏.‏ انتهى‏.‏

وهذا البيت آخر أبياتٍ أربعة لمسافع بن حذيفة العبسي، مذكورة في باب المراثي من الحماسة، وهي‏:‏

أبعد بني عمروٍ أسرّ بمقبلٍ *** من العيش وآسى على إثر مدبر

وليس وراء الشيء شيءٌ يردّه *** عليك إذا ولّى سوى الصّبر فاصبر

سلامٌ بني عمرو على حيث هامكم *** جمال النّديّ والقنا والسّنوّر

أولاك بنو خير‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

قوله‏:‏ أبعد بني عمرو الخ، الهمزة للاستفهام الإنكاري، وأسر بالبناء للمفعول من السرور، ومقبل بمعنى آت، ومدبر بمعنى ذاهب، وآسى‏:‏ مضارع أسي من باب تعب بمعنى حزن‏.‏

وقوله‏:‏ سوى الصبر استثناء منقطع، لأن الصبر ليس من الشيء الراد الفائت في شيء‏.‏ يقول‏:‏ أأسر بعيش مقبل، وزمن مساعد، بعد أن فجعت بهؤلاء؛ وأحزن في إثر فائت، وأجزع لتولي مدبر، وليس وراء الشيء الفائت شيء يرده عليك، فالأولى أن تتمسك بالصبر وتعتصم به، فاصبر‏.‏

وقوله‏:‏ سلام بني عمرو الخ، سلام مبتدأ، وجاز الابتداء به لتضمنه الدعاء‏.‏ وخبره قوله‏:‏ على حيث هامكم‏.‏

قال ابن جني في إعراب الحماسة هامكم مبتدأ محذوف الخبر، من جملة مجرورة الموضع بإضافة حيث إليها، أي‏:‏ حيث هامكم متصورة، أي‏:‏ موجودة‏.‏ ومثله قولهم‏:‏ جئتك إذ ذاك، أي‏:‏ إذ ذاك كذاك، فحذف الخبر من الجملة المجرورة الموضع بإضافة إذ إليها‏.‏ انتهى‏.‏

وذكر الهام على عادة العرب، في زعمهم أن عظام الموتى تصير هاماً تطير‏.‏ وبني عمرو‏:‏ منادىً بحرف النداء المحذوف‏.‏ وجمال الندي منصوب على المدح‏.‏ وقال ابن جني‏:‏ نصب جمال الندي، لأنه بدل من بني عمرو‏.‏ والندي بتشديد الياء‏:‏ المجلس، لغة في النادي‏.‏

وقال ابن جني‏:‏ لام الندي واو، لأنه فعيل من الندوة، وهي موضع جلوس النادي والندي‏.‏ انتهى‏.‏

والقنا‏:‏ جمع قناة، وهي الرمح‏.‏ والسنور بفتح السين والنون والواو المشددة‏:‏ لبوس من قد كالدرع‏.‏ يعني أنهم جمال المجالس يوم الجمع، وزين السلاح غداة الروع‏.‏

وقوله‏:‏ أولاك الخ، هو مبتدأ، لغة في أولئك؛ وبنو خبر المبتدأ‏.‏ أراد أنهم ملازمون لفعل الخير والشر مع الأصدقاء والأعداء، كما يقال‏:‏ فلان أخو الحرب‏.‏ وجميعا‏:‏ حال مؤكدة لصاحبها‏.‏ وقوله‏:‏ معروف هو بالجر معطوف على خير، وكذلك منكر‏.‏ والمعروف‏:‏ الجميل الظاهر، وضده المنكر، فهما أخص من الخير والشر، فإن الخير قد يكون ظاهره شراً كالدواء المر‏.‏ والشر قد يكون ظاهره خيراً كهوى النفس‏.‏ وألم بمعنى نزل وعرض والجملة صفة معروف، ومثله مقدر بعد منكر‏.‏

ومسافعل، بضم الميم وكسر الفاء، ابن حذيفة بالتصغير، العبسي بالباء الموحدة، وهو شاعر فارس من شعراء الجاهلية‏.‏

البدل

أنشد فيه، الشاهد الخامس والستون بعد الثلاثمائة وهو من شواهد سيبويه‏:‏ البسيط

يا ميّ إن تفقدي قوماً ولدتهم *** وتخلسيهم فإنّ الدّهر خلاّس

عمروٌ وعبد منافٍ والذي عهدت *** ببطن عرعر‏:‏ آبي الظّلم عبّاس

على أن قوله‏:‏ عمرو وعبد مناف والذي بدل مقطوع من قوماص‏.‏

وما نقله الشارح من سيبويه إلى الشعر، هو نص عبارته بحروفه‏.‏

قال ابن خلف‏:‏ الشاهد فيه رفع عمرو وما بعده بالابتداء، كأنه قال‏:‏ منهم ومن القوم الذين فقدوا، ويكون خبر مبتدأ، كأنه قال‏:‏ بعضهم‏.‏ ولو نصبت على البدل من القوم لجاز‏.‏ وعباس بدل من آبي، وآبي بدل من الذي، ولو أبدلت فسد الكلام، لأنا إذا نصبنا، وجب أن ينصب الذي هو بدل منه، فكنا نقول‏:‏ عباساً‏.‏

وقوله‏:‏ تخلسيهم بالبناء للمفعول، أي‏:‏ يؤخذون منك بغتة، فإن الدهر من شأنه أن يؤخذ فيه الشيء بغتة‏.‏ وعرعر‏:‏ مكان‏.‏ ويروى‏:‏ ببطن مكة‏.‏ وأراد بعمرو عمرو بن عبد مناف بن قصي، وهو هاشم بن عبد مناف، وسمي هاشماً لهشمه الثريد لقومه في مجاعةٍ أصابتهم‏.‏

والعباس هو ابن عبد المطلب، وإنما قال ولدتهم لما بين هذيل وقريش من القرابة في النسب والدار، لأنهم كلهم من ولد مدركة بن الياس بن مضر‏.‏

وقوله‏:‏ والذي عهدت الضمير يرجع إلى مي، وعدل عن خطابها وأخبر عنها باللفظ الذي يكون للغائب، أراد الذي عهدت، فلم يستقم له‏.‏ ومي‏:‏ مرخم مية‏.‏

وهذان البيتان مطلعا قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، عدتها خمسة عشر بيتاً أوردها أبو سعيد السكري في أشعار الهذليين، وبعدهما‏:‏

يا ميّ إنّ سباع الأرض هالكةٌ *** والغفر والأدم والآرام والنّاس

الغفر بضم الغين وسكون الفاء‏:‏ ولد الوعل، ونقل شارح شواهد المفصل عن صاحب المقتبس، أنه القفز بالقاف والفاء والزاي المعجمة، وهو جمع أقفز، وهو من الخيل المحجل من يديه لا رجليه‏.‏ وهذا تحريف قطعاً‏.‏

ونقل أيضاً عن صاحب الإقليد أنه العفر بعين مهملة، وهو جمع أعفر، وهو الأبيض‏.‏ وليس بشديد‏.‏ وظبية عفراء يعلو بياضها حمرة؛ وهي قصار الأعناق‏.‏

والأدم بالضم من الظباء‏:‏ بيض تعلوهن خطوط فيهن غبرة تسكن الجبال، يقال‏:‏ ظبية أدماء وظبي آدم‏.‏ والآرام‏:‏ الظباء البيض الخالصة البياض، الواحد رئم بالهمز، وهي تسكن الرمل‏.‏

تاللّه لا يعجز الأيّام مبتركٌ *** في حومة الموت رزّامٌ وفرّاس

لا يعجز‏:‏ لا يغلب‏.‏ والمبترك‏:‏ الأسد، من ابتركه إذا صرعه وجعله تحت بكره، وهو الصدر‏.‏ وأغرب الكرماني في شرح شواهد الموشح ورواه المنتزك بالنون والزاي المعجمة، أي‏:‏ الذي له نيزك، أي‏:‏ رمح قصير، كأنه فارسي معرب‏.‏ وحومة الموت‏:‏ الموضع الذي يدور فيه الموت لا يبرح منه والرزام بتقديم المهملة‏:‏ الصراع، يقال‏:‏ رزم به، إذا صرعه‏.‏ والفراس‏:‏ الذي يدق الأعناق؛ ومنه فريسة الأسد، لأنه يدق عنقها‏.‏

يحمي الصّريمة أحدان الرّجال له *** صيدٌ ومستمعٌ باللّيل هجّاس

قال السكري‏:‏ الصريمة ها هنا‏:‏ موضع‏.‏ وأحدان الرجال‏:‏ ما انفرد من الرجال‏.‏ وقال غيره‏:‏ الصريمة‏:‏ رملة فيها شجر، حماها من أن يدخلها أحد خوفاً منه‏.‏ وأحدان الرجال‏:‏ الذين يقول أحدهم‏:‏ أنا الذي لا نظير لي في الشجاعة والبأس‏.‏ يقول‏:‏ هذا الأسد يصيد هؤلاء الذين يدلون بالشجاعة‏.‏

وهذان البيتان أيضاً استشهد بهما سيبويه على جري الصفات على ما قبلها مع ما فيها من معنى التعظيم، ولو نصب لجاز‏.‏ هجاس‏:‏ يهجس‏.‏ وروى بدله‏:‏ هماس من الهمس‏.‏ قال النحاس‏:‏ هماس‏:‏ دقاق للرقاب مكسر لها‏.‏

قال ابن خلف‏:‏ وأحدان الرجال يروى بالرفع والنصب، فمن رفع قال‏:‏ أحدان مبتدأ، وصيد خبره، ومن نصب جعله مفعول يحمي، كأنه قال‏:‏ يحمي الصريمة من أحدان الرجال، فصيد على هذا مبتدأ وله خبره‏.‏ ومستمع، وروى بدله‏:‏ مجترئ‏:‏ خبر مبتدأ محذوف، أي‏:‏ وهو مستمع، وهو معطوف على رزام، وهو الوجه الذي رواه سيبويه، والشاهد على أنه عطف هماس‏.‏ قال النحاس‏:‏ ويجوز نصب مجترئ على أعني‏.‏

يا ميّ لا يعجز الأيّام ذو حيدٍ *** بمشمخرٍّ به الظّيّان والآس

روى صدره صاحب المفصل‏:‏

للّه يبقى على الأيّام ذو حيدٍ

على أن اللام في لله هنا للقسم والتعجب معاً‏.‏ وتبعه صاحب المغني‏.‏ ورواه صاحب الجمل تالله يبقى بالمثناة الفوقية‏.‏ قال ابن السيد‏:‏ ويروى بالباء الموحدة، وكلاهما قسم فيه معنى التعجب‏.‏

وقال اللخمي‏:‏ ورواية سيبويه لله باللام‏.‏ وقوله‏:‏ يبقى جواب القسم بتقدير لا النافية، ويعني بقوله ذو حيد الوعل‏.‏

قال المبرد‏:‏ الحيد بفتحتين‏:‏ الروغان والفرار‏.‏ والمشهور حيد بكسر المهملة وفتح المثناة التحتية، جمع حيدة، كحيض جمع حيضة‏.‏ وهذه رواية ثعلب والسكري‏.‏

قال اللخمي‏:‏ قوله ذو حيد يروى بفتح الحاء وكسرها، فمن رواه بالفتح فهو اعوجاج يكون في قرن الوعل، وقيل‏:‏ إنه مصدر من حاد يحيد حيداً، وأصله السكون فلما اضطر حرك الياء، ومعناه الروغان‏.‏ وقيل‏:‏ هو جمع حيدة، وهي العقدة التي تكون في قرنه‏.‏ وقيل‏:‏ الحيد القوة‏.‏

ومن روى حيدا بالكسر فهي نتوءات، والواحدة حيدة‏.‏ ويروى‏:‏ ذو جيد بالجيم، وهو جناح مائل من الجبل، وقيل‏:‏ يعني به الظبي‏.‏ والوعل‏:‏ التيس الجبلي، ويقال للأنثى‏:‏ أروية بضم الهمزة وتشديد الياء، وربما قالوا وعلة‏.‏ انتهى‏.‏

وزعم الدماميني في الحاشية الهندية أن حيدا بكسر الحاء جمع حيدة بفتحها، كبدر جمع بدرة، وهي الحرف الناتئ في عرض الجبل لا في أعلاه‏.‏ هذا كلامه، وهذا غير مناسب للمقام‏.‏ والمشمخر‏:‏ الجبل الطويل، وقيل‏:‏ العالي‏.‏ والباء بمعنى في‏.‏ والظيان بفتح المعجمة وتشديد المثناة التحتية‏:‏ ياسمين البر، وقيل الرمان الجبلي‏.‏ والآس، قال ابن السيد‏:‏ هو الريحان، وقيل الآس‏:‏ أثر النحل إذا مرت فسقط منها بعض نقط من العسل، حكاه الشيباني‏.‏

وقال صاحب كتاب العين‏:‏ هو شيء من العسل‏.‏ وأوضحه ابن المستوفي في شرح شواهد المفصل فقال‏:‏ هو نقط من العسل تقع من النحل على الحجارة، فيستدلون بتلك النقط على مواضع النحل‏.‏

وقال اللخمي‏:‏ الآس هنا بقية العسل في موضع النحل، كما سمي بقية التمر في الجلة قوساً، وباقي السمن في النحي كعباً، وقالوا للقطعة من الأقط ثور‏.‏ والآس في غير هذا‏:‏ المشموم‏.‏ قال ابن دريد‏:‏ وهو دخيل في كلام العرب، إلا أنهم قد تكلموا به‏.‏

وقوله‏:‏ على الأيام حال على حذف مضاف، أي‏:‏ على تعاقب الأيام وعلى مرورها، أي‏:‏ لا يبقى ذو حيد والأيام متعاقبة عليه‏.‏ وقوله‏:‏ بمشمخر صفة لذي حيد‏.‏ وكذلك قوله به صفة لمشمخر‏.‏ والظيان فاعل به‏.‏ ووقع في رواية سيبويه تركيب مصراعين من بيتين هكذا‏:‏

يا ميّ لا يعجز الأيّام ذو حيدٍ *** في حومة الموت رزّام وفرّاس

يحمي الصّريمة‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

قال السيرافي‏:‏ وقع في البيت الأول من هذين غلط من كتاب سيبويه، لأن قوله‏:‏ ذو حيد‏:‏ وعل، ورزام وفراس‏:‏ أسد، والصواب الذي حملته الرواة‏:‏

يا ميّ لا يعجز الأيّام ذو حيدٍ *** بمشمخرٍّ به الظّيّان والآس

والقصيدة لأبي ذؤيب الهذلي كما ذكرنا، وقد أثبتها له السكري في أشعار الهذليين، وتقدمت ترجمته في الشاهد السابع والستين‏.‏

ووقع هذا الشعر في كتاب سيبويه معزواً لمالك بن خالد الخناعي بضم الخاء المعجمة وتخفيف النون‏:‏ بطن من هذيل، وهو خناعة بن سعد بن هذيل بن مدركة ابن إلياس بن مضر‏.‏

وقال اللخمي‏:‏ وبعضهم روى هذا الشعر لأمية بن أبي عائذ الهذلي‏.‏

وأنشده الزمخشري في المفصل لعبد مناف الهذلي‏.‏

وقال ابن السيد‏:‏ وروي للفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب‏.‏

وقال ابن المستوفي في شرح شواهد المفصل‏:‏ ورواه أبو الحسن الأخفش لأبي زبيد الطائي‏.‏ والله أعلم‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

أقسم باللّه أبو حفص عمر

تقدم شرحه قريباً‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد السادس والستون بعد الثلاثمائة الوافر

فلا وأبيك خيرٍ منك أنّي *** ليؤذيني التّحمحم والصّهيل

على أن خير بالجر بدل من أبيك بتقدير الموصوف، أي‏:‏ رجل خير منك وهذا البدل بدل كل من كل‏.‏ ومع اعتبار الموصوف يكون الإبدال جارياً على القاعدة، وهي أنه إذا كان البدل نكرةً من معرفة يجب وصفها، كقوله‏:‏ بالناصية‏.‏ ناصية كاذبة‏.‏ وهذا على رواية الجر‏.‏

وفيه رواية أخرى، وهي رفع خير، قال أبو الحسن الأخفش في شرح نوادر أبي زيد‏.‏ ومن روى خير منك بالرفع، فكأنه قال‏:‏ هو خير منك‏.‏

وهذا البيت من أبيات سبعة لشمير بن الحارث الضبي، رواها أبو زيد في نوادره‏.‏ وهي في رواية ابن الأعرابي خمسة بحذف الثالث والسابع‏.‏

وهذه رواية أبي زيد‏:‏

دعوت اللّه حتّى خفت أن ل *** يكون اللّه يسمع ما أقول

ليحملني على فرسٍ فإنّي *** ضعيف المشي للأدنى حمول

أحبّ الخيل إن لامت عليه *** إناث الخيل والذّكر الطّويل

ينعّم بال عيني أن أراه *** أمام البيت محجره أسيل

فإن فزعوا فزعت وإن يعودو *** فراضٍ مشيه عتدٌ رجيل

فلا وأبيك خيرٌ منك إنّي *** ليؤذيني التّحمحم والصّهيل

ولست بنأنأٍ لمّا التقين *** تهيّبني الكريمة والأفيل

قال أبو حاتم‏:‏ يسمع، أي‏:‏ يجيب، ومنه‏:‏ سمع الله لمن حمده‏.‏ وقوله‏:‏ ليحملني علة لدعوت‏.‏ وقوله‏:‏ ضعيف المشي رواه أبو حاتم ضعيف المتن وحمول‏:‏ خير ثان لإن‏.‏

وقوله‏:‏ أحب الخيل إن لامت عليه، هو مثل قولك‏:‏ أقوم إن قام زيد‏.‏ ولامت من اللوم، فاعله ضمير امرأته ونحوها‏.‏

قال أبو علي‏:‏ أي‏:‏ لامت على حبسه، وفي لامت ضمير فاعلة أضمرت لدلالة الحال عليه‏.‏ انتهى وفيه شاهد، وهو رجوع الضمير المذكر على الخيل‏.‏ وقوله‏:‏ إناث الخيل هو خبر مبتدأ محذوف، أي‏:‏ الذي أحب وما أحب، إناث الخيل‏.‏ وقوله‏:‏ الذكر الطويل، أي‏:‏ طويل الظهر‏.‏

وقوله‏:‏ ينعم الخ، من التنعم وهو الترفه، يقال‏:‏ نعمه تنعيماً، أي‏:‏ رفهه، وفاعله قوله أن أراه، والهاء ضمير الذكر الطويل‏.‏ وروى ابن الأعرابي في نوادره ينعم بال نفسي‏.‏ وعليه فالبال بمعنى الخاطر والقلب‏.‏

وجملة‏:‏ محجره أسيل‏:‏ حال منه‏.‏ والمحجر، كمجلس، بتقديم الحاء على الجيم‏:‏ ما حول العين، أراد أسفل العين، وهو الخد، لأنه يقال أسيل الخد إذا كان لين الخد طويله‏.‏ وكل مسترسل أسيل أيضاً‏.‏

وقوله‏:‏ فإن فزعوا فزعت الفزع الإغاثة والنصر‏.‏ ويعودوا في رواية أبي زيد بالعين، وفي رواية ابن الأعرابي بالقاف‏.‏

وقوله‏:‏ فراض مشيه روي برفع مشيه على أنه مبتدأ أول وراض خبره، أي‏:‏ ذو رضا، كقوله‏:‏ عيشة راضية وليل نائم‏.‏

وروي بنصب مشيه براض، فراض خبر مبتدأ محذوف، أي‏:‏ فأنا راض مشيه‏.‏ كذا قال الأخفش فيما كتبه على نوادر أبي زيد‏.‏

وفرس عتد بفتحتين وبفتح فكسر‏:‏ المعد للجري‏.‏ قال ابن السكيت‏:‏ هو الشديد التام الخلق‏.‏ والرجيل بالجيم، هو من الخيل الذي لا يحفى، وقيل الذي لا يعرق‏.‏ وروى ابن الأعرابي في نوادره‏:‏

فإن فزعوا فزعت وإن يقودو *** فراضٍ مشيه حسنٌ جميل

وعلى هذا تقديره‏:‏ فأنا راض، ومشيه‏:‏ مبتدأ، وحسن‏:‏ خبره‏.‏

وقوله‏:‏ فلا وأبيك خير منك الكاف في أبيك ومنك مكسورة، خطاب للمرأة التي لامته على حب الخيل، على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ولا نفي لما زعمته، والواو للقسم‏.‏ وجملة‏:‏ إني ليؤذيني الخ، جواب القسم‏.‏ واختلفوا في معناه، فقال أبو الفضل‏:‏ قوله‏:‏ ويؤذيني، أي‏:‏ يغمني، وليس هو لي في ملك‏.‏

وقال أبو حاتم والفارسي‏:‏ أي ليؤذيني فقد التحمحم‏.‏ وفي هذا حذف مضاف، ورواه ابن الأعرابي في نوادره‏:‏ وتبعه ابن دريد ليؤذينني بنونين، قال‏:‏ يؤذينني، أي‏:‏ يعجبني، من أذنت له‏.‏

قال أبو محمد الأسود الأعرابي فيما كتبه على نوادر ابن الأعرابي وسماه ضالة الأديب‏:‏ وصوابه ليؤذيني التحمحم من الإيذاء، أي‏:‏ فقدان التحمحم، فحذف‏.‏

والتحمحم‏:‏ صوت الفرس إذا طلب العلف‏.‏ يقال‏:‏ حمحم الفرس وتحمحم‏.‏ وصهيل الفرس‏:‏ صوته مطلقاً، فهو من عطف العام على الخاص‏.‏

وقوله‏:‏ ولست بنأنأ الخ، النأنأ بنونين وهمزتين على وزن جعفر، هو الضعيف من الرجال‏.‏ يقال‏:‏ نأنأ في رأيه نأنأة، إذا ضعف فيه‏.‏

وقوله‏:‏ تهيبني أصله بتاءين، مضارع تهيبه، أي‏:‏ هابه، وفيه قلب، أي‏:‏ لا أهاب الكريمة من الإبل أن أعقرها للضيف ولا يتعاظمني ذلك‏.‏ والأفيل، قال أبو زيد‏:‏ هو الأفتاء من الإبل‏.‏ وقال الأصمعي‏:‏ ابن تسعة أشهر وثمانية‏.‏

وفي العباب‏:‏ الأفيل‏:‏ ابن المخاض وابن الليون، والأنثى أفيلة، فإذا ارتفع عن ذلك فليس بأفيل‏.‏

وروى بدل الكريمة الكريهة وهي الحرب‏.‏ قال الأخفش فيما كتبه على نوادر أبي زيد‏:‏ الذي أختار رواية تهيبني الكريمة يقول‏:‏ لا يهيبني كبير مالي ولا صغيره إذا ورد ضيف علي‏.‏ والأفيل‏:‏ الصغير، هكذا حفظي، وليس له وقت محدود‏.‏

ومن روى الكريهة يقول‏:‏ أنا أقاتل، وأعقر للأضياف الأفيل‏.‏ ولا أدري لم خص الفيل دون غيره‏.‏ انتهى‏.‏

وشمير بضم الشين المعجمة وفتح الميم وآخره راء مهملة، وهكذا ضبطه أبو زيد‏.‏ وقال الأخفش فيما كتبه عليه‏:‏ الذي في حفظي سمير بالسين المهملة‏.‏ وكذا ضبطه الصاغاني في العباب بالمهملة، وقال‏:‏ وهو شاعر جاهلي‏.‏ والله أعلم‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

العائذات الطير

وهو قطعة من بيت للنابغة الذبياني، وهو‏:‏ البسيط

والمؤمن العائذات الطّير يمسحه *** ركبان مكّة بين الغيل والسّند

وقد تقدم شرحه في الشاهد السابع والأربعين بعد الثلاثمائة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الوافر

أنا ابن التّارك البكريّ بشرٍ

وتمامه‏:‏

عليه الطّير ترقبه وقوعا

وتقدم شرحه هذا أيضاً في الشاهد التاسع والتسعين بعد المائتين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد السابع والستون بعد الثلاثمائة البسيط

إنّا وجدنا بني جلاّن كلّهم *** كساعد الضّب لا طولٍ ولا قصر

على أنه يجوز ترك وصف النكرة المبدلة من المعرفة، إذا استفيد من البدل ما ليس في المبدل منه كما هنا، فإن قوله‏:‏ طول المنفي بدل من ساعد الضب، ومعنى الطول وما عطف عليه موجود في ساعد الضب‏.‏

وفيه شاهد آخر، وهو إبدال النكرة من المعرفة والنكرة بغير لفظ المعرفة‏.‏ قال ابن جني في إعراب الحماسة عند قول الماسي‏:‏ الكامل

نهل الزّمان وعلّ غير مصرّد *** من آل عتّابٍ وآل الأسود

غير أنه أعاد العامل معه وهو الجار‏.‏ وبهذا استدللنا على أن البدل من جملة غير الجملة التي منها المبدل‏.‏ وهو كثير في القرآن والشعر‏.‏ وأكثر ما يعاد العامل مع البدل إذا كان العامل جاراً من حيث صار الجار مع ما جره بمنزلة الجزء الواحد‏.‏ نعم وأبد النكرة من المعرفة والنكرة بغير لفظ المعرفة‏.‏

وهذا شيء يأباه البغداديون ويقولون‏:‏ لا تبدل النكرة من المعرفة حتى يكونا من لفظ واحد، نحو قوله تعالى‏:‏ بالناصية‏.‏ ناصية كاذبة خاطئة‏.‏ ورد ذلك أبو الحسن بما أنشده من قول الشاعر‏:‏

إنّا وجدنا بني جلاّن كلّهم ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

ومثله ما أنشده أبو زيد‏:‏

فلا وأبيك خيرٌ منك إنّي ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

انتهى‏.‏

وإنما أوله الشارح المحقق بقوله‏:‏ أي لا ذي طول، ولا ذي قصر، ليصح جعله بدل كل من كل، إذ لولا التأويل لكانا متغايرين‏.‏ وإنما لم يجعف لا طول بأحد التأويلات الثلاثة صفةً كقوله أبيك، لتخالف الموصوف والصفة فيهما تعريفاً وتنكيراً، فلو كان معرفاً لكان صفة، كما في قول أبي خراش الهذلي لامرأته وكانت تسأله الطلاق‏:‏ الطويل

فلا وأبيك الخير لا تجدينه *** جميل الغنى ولا صبوراً على العدم

يقول‏:‏ إن تزوجت زوجاً لا تجدينه متعففاً ولا يصبر على العدم بالضم، أي‏:‏ الفقر‏.‏

وجلان بكسر الجيم وتشديد اللام، علم لا ينصرف‏.‏ قال الأصمعي في شرح هذا البيت من شعر ذي الرمة‏:‏ البسيط

وبالشّمائل من جلاّن مقتنصٌ *** رذل الثّياب خفيّ الشّخص منزرب

الشمائل‏:‏ جمع شمال‏.‏ وجلان‏:‏ قبيلة من عنزة، وهم رماة‏.‏ ورذل الثياب‏:‏ خلقها‏.‏ وخفي الشخص بمعنى ضئيل الشخص خلقةً‏.‏ والمنزرب‏:‏ الداخل في الزرب، وهو قترة الصائد‏.‏ يقال‏:‏ انزرب، إذا دخل‏.‏ انتهى‏.‏

وعنزة حيان أحدهما عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار‏.‏ وثانيهما‏:‏ عنزة بن عمرو بن عوف بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد‏.‏ ولا أعرف عنزة المنسوب إليها جلان، أي العنزتين‏.‏

وقوله‏:‏ كلهم تأكيد لبني جلان، لا لجلان‏.‏ وقوله‏:‏ كساعد الضب‏.‏ الساعد‏:‏ ذراع اليد‏.‏ والضب ساعد جميع أفراده على مقدار معين خلقة لا يزيد ساعد فرد من أفراده طولاً على ساعد فرد آخر، وكذلك لا ينقص عن ساعد فرد آخر، بخلاف سائر الحيوانات فإن بين ساعد أفرادها تفاوتاً في الطول والقصر بحسب الجثة‏.‏

وهذا ينبغي أن يكون من الأمثال في الأشياء المتساوية، كقولهم‏:‏ هم كأسنان المشط، لكني لم أره في كتب الأمثال‏.‏ أراد أن جلان متساوون في فضيلة رشق السهام، لا يرتفع أحدهم على الآخر فيها ولا ينحط عنه‏.‏

وهذا البيت لم أقف على قائله‏.‏ والله أعلم‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

فلا وأبيك خيرٍ منك

البيت السابق ذكره آنفاً لما تقدم في البيت قبله‏.‏ لكن قدم الشارح المحقق أنه بتقدير رجل خير منك؛ فالبدل إنما هو النكرة الموصوفة، غايته أنه حذف الموصوف وبقيت صفته‏.‏

ويمكن أن يقال‏:‏ ما تقدم لأجل جمود البدل لا لأجل وصف النكرة المبدلة، فإن اشتراط الوصف مذهب الكوفيين‏.‏

قال السمين عند قول صاحب الكشاف في قوله تعالى‏:‏ ناصية كاذبة‏:‏ جاز إبدال النكرة من المعرفة لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة‏.‏ قلت‏:‏ هذا مذهب الكوفيين لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول‏.‏ ومذهب البصريين‏:‏ لا يشترط شيء‏.‏

وأنشدوا‏:‏

فلا وأبيك خيرٍ منك ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

انتهى وقال ابن عقيل في شرح التسهيل‏:‏ ولم يشترط البصريون في إبدال المعرفة من النكرة، والنكرة من المعرفة اتحاد لفظ، ولا وجود وصف‏.‏ ونقل ابن مالك عن الكوفيين أنهم لا يبدلون النكرة من المعرفة إلا إن كانت من لفظ الأول، ونسب هذا بعض النحويين لنحاة بغداد‏.‏ ونقل عن الكوفيين أيضاً أنهم لا يفعلون ذلك وعكسه إلا بالشرط المذكور‏.‏ وكلام الكوفيين على خلاف هذا‏.‏

قال الكسائي والفراء في قتال فيه إنه على نية عن، وصرح بعن في قراءة عبد الله‏.‏ وأجاز الفراء في هرون أخي كونه مترجماً لوزيراً‏.‏ قال‏:‏ فيكون نصاً للتكرير‏.‏

ونقل أيضاً عن الكوفيين والبغداديين اشتراط وصف النكرة المبدلة من المعرفة، وتابعهم السهيلي وابن أبي الربيع‏.‏

ونقل عن بعض الكوفيين في إبدال النكرة المبدلة من النكرة اشتراط وصف المبدلة‏.‏

ويدل للبصريين حدائق وأعنابا، وقوله‏:‏ الطويل

فألقت قناعاً دونه الشّمس واتّقت *** بأحسن موصولين كفٍّ ومعصم

وقوله‏:‏

فلا وأبيك خيرٍ منك ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

انتهى وأنشد بعده‏:‏ الطويل

لحافي لحاف الضّيف والبرد برده

هذا صدر بيت، وعجزه‏:‏

ولم يلهني عنه غزالٌ مقنّع

على أن اللام قد تنوب عن الضمير كما هنا، فإن الأصل وبردي برده‏.‏ وتقدم شرح هذا البيت في الشاهد الثالث والتسعين بعد المائتين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد الثامن والستون بعد الثلاثمائة الرجز

أوعدني بالسّجن والأداهم *** رجلي ورجلي شثنة المناسم

على أن قوله‏:‏ رجلي بدل بعض من ياء المتكلم في أوعدني‏.‏

هذا هو الظاهر‏.‏ وعليه اقتصر الفراء في تفسيره عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏للذين اتَّقَوْا عِنْدَ ربِّهمْ جَنَّات‏}‏‏.‏

واستشكلت البدلية بأن الرجل لا توعد بالسجن‏.‏ وأجيب بأنها لما كانت سبباً للدخول ناسب إيعادها بذلك‏.‏

وفيه وجوه ثلاثة‏:‏ أحدها‏:‏ ما قاله ابن السيد في شرح أبيات أدب الكاتب، وهو أنه يجوز أن يكون رجلي مفعولاً ثانياً، حذف منه حرف الجر اختصاراً، كأنه أراد‏:‏ لرجلي‏.‏

وثانيها‏:‏ ما قاله أبو حيان في تذكرته ومن خطه نقلت، وهو أن يكون رجلي منادىً على طريق الاستهزاء بالموعد‏.‏

ثالثها‏:‏ ما نقله ابن السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق عن بعضهم، وهو أن تكون الأداهم معطوفةً على السجن، ورجلي معطوفة على ضمير المتكلم، أي‏:‏ أوعدني بالسجن وأوعد رجلي بالأداهم، كما تقول‏:‏ ضربني بالعصا والسوط ظهري، تريد ضربني بالعصا، وضرب ظهري بالسوط، ويكون على هذا من باب عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين‏.‏

ورجلي الثانية مبتدأ شثنة خبرها، وأتى بها ظاهرةً غير مضمرة تعظيماً لأمرها وإشادةً بذكرها، ولأنها وقعت في جمله ثانية‏.‏ والواو للحال، وروي فرجلي بالفاء على السببية‏.‏ والشثنة‏:‏ الغليظة الخشنة، يقال‏:‏ في صفة الأسد‏:‏ شثن البراثن‏.‏

قال العيني‏:‏ ويجوز أن يكون بتقديم النون على المثلثة، من شنست مشافر البعير، أي‏:‏ غلظت من أكل الشوك‏.‏ والمناسم‏:‏ جمع منسم كمجلس، وهو طرف خف البعير، استعاره للإنسان‏.‏ وحسن ذلك ها هنا لما ذكره من جلده وقوته، وبذلك يصفون أنفسهم‏.‏

وقال ابن السيرافي‏:‏ المنسم‏:‏ أسفل خف البعير، ولا يستعمل لغيره إلا في ضرورة شعر‏.‏ وأرد بالمناسم هنا باطن رجليه‏.‏ يقول‏:‏ رجلي غليظة لا تألم لجعلها في القيد‏.‏ هذا كلامه، وهذه الإرادة غير ظاهرة‏.‏ والأداهم‏:‏ جمع أدهم، وهو القيد‏.‏ والسجن بالكسر‏:‏ اسم للمحبس، والمصدر بالفتح‏.‏ يقال‏:‏ سجنته سجناً من باب قتل‏.‏ وأوعده بكذا بمعنى هدده به‏.‏

قال الخطيب التبريزي في شرح إصلاح المنطق‏:‏ قال الفراء‏:‏ يقال وعدته خيراً ووعدته شراً بإسقاط الألف، فإذا أسقطوا الخير والشر، قالوا في الخير وعدته، وفي الشر أوعدته‏.‏ فالوعد والعدة في الخير، والإيعاد والوعيد في الشر‏.‏ فإذا قالوا أوعدته بكذا أثبتوا الألف مع الباء‏.‏ وأنشد‏:‏

أوعدني بالسّجن والأداهم ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

انتهى وقال ثعلب في أماليه‏:‏ يقال‏:‏ وعدته خيراً وشراً، وإذا لم يذكر الخير ولا الشر قيل في معنى الخير وعدته، وفي الشر وعدته، وفي بعض اللغات أوعدته بالشر‏.‏ وأنشد هذا البيت‏.‏

وفيه مخالفة للفراء فيما إذا لم يذكر الموعود به، فإنه إذا أريد المكروه زيدت الألف‏.‏

وثعلب ساوى بين ما إذا أريد الخبر والمكروه في أنه يقال بلا ألف‏.‏ قال في الفصيح‏:‏ وعدت الرجل خيراً، وإذا لم تذكر الشر قلت وعدته وأوعدته بكذا، تعني الوعيد‏.‏

قال الإمام المرزوقي في شرح الفصيح‏:‏ وعدته خيراً وشراً‏.‏ فإن أطلقت ولم تقيد قلت في الخير وعدت وعداً وعدة وموعداً وموعدة‏.‏ والميعاد‏:‏ الوقت، والموضع‏.‏ وفي الشر أوعدته إيعاداً ووعيداً‏.‏ هذا هو الصحيح‏.‏

وقوله‏:‏ فإذا لم تذكر الشر قلت أوعدته بكذا، قال أبو إسحاق الزجاج‏:‏ قلت لثعلب‏:‏ قولك بكذا ينقص ما أصلته؛ لأن وعد بإطلاقه ضمان في الخير، وأوعد ضمان في الشر، ولا حاجة إلى بكذا‏.‏

قال أبو علي‏:‏ ويمكن أن يقال في جوابه بكذا إشارة إلى نوع مما يتوعد به، وإذا كان القصد إلى التنويع احتيج إليه ألا ترى قوله‏:‏

أوعدني بالسّجن والأداهم

وقول الآخر‏:‏

أتوعدني بقومك يا ابن سعدى

والمنكر أن يقال‏:‏ أوعدني بالشر‏.‏ فاعلمه‏.‏ انتهى‏.‏

وهذا الشعر بيتان من الرجز المسدس‏.‏ قال ابن السيد‏:‏ لا أعلم قائله‏.‏ وقال ياقوت في حاشية الصحاح، وتبعه العيني‏:‏ قائله العديل بن الفرخ، وهو شاعر إسلامي في الدولة المروانية، وهو بضم العين وفتح الدال المهملتين‏.‏ والفرخ، بضم الفاء وسكون الراء وآخره خاء معجمة‏.‏

قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء‏:‏ العديل بن الفرخ لقبه العباب، بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة الأولى‏.‏ والعباب‏:‏ اسم كلبه‏.‏ وهو من رهط أبي النجم العجلي، وكان هجا الحجاج، وهرب منه إلى قيصر ملك الروم، فبعث إليه‏:‏ لترسلن به ولأجهزن إليك خيلاً يكون أولها عندك وآخرها عندي‏!‏ فبعث به إليه، فلما مثل بين يديه قال‏:‏ أنت القائل‏:‏ الطويل

ودون يد الحجّاج من أن تنالني *** بساطٌ بأيدي النّاعجات عريض

مهامه أشباهٌ كأنّ سرابه *** ملاءٌ بأيدي الغانيات رحيض

فقال‏:‏ أنا القائل‏:‏ الطويل

فلو كنت في سلمى أجا وشعابه *** لكان لحجّاج عليّ دليل

خليل أمير المؤمنين وسيفه *** لكلّ إمامٍ مصطفىً وخليل

بنى قبّة الإسلام حتّى كأنّم *** هدى النّاس من بعد الضّلال رسول

فعفا عنه وأطلقه‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد التاسع والستون بعد الثلاثمائة وهو من شواهد س‏:‏ الوافر

ذريني إنّ حكمك لن يطاع *** وما ألفيتني حلمي مضاعا

على أن قوله حلمي بدل اشتمال من الياء في‏:‏ ألفيتني‏.‏

قال ابن جني في إعراب الحماسة‏:‏ إنما يجوز البدل من ضمير المتكلم وضمير المخاطب إذا كان بدل البعض وبدل الاشتمال، نحو قولك‏:‏ عجبت منك عقلك، وضربتك رأسك‏.‏ ومن أبيات الكتاب‏:‏

ذريني إنّ أمرك لن يطاع ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

فحلمي‏:‏ بدل من ني‏.‏ ولو قلت‏:‏ قمت زيد، ومررت بي جعفر، وكلمتك أبو عبد الله على البدل لم يجز، من حيث كان ضمير المتكلم والمخاطب غايةً في الاختصاص، فبطل البدل، لأن فيه ضرباً من البيان، وقد استغنى المضمر بتعرفه‏.‏ انتهى‏.‏

وكذلك الفراء في تفسيره عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مثلُ الذين كَفَروا بربِّهم أعمالُهمْ كَرماد‏}‏‏.‏ الحلم‏:‏ منصوب بالإلفاء على التكرير، يعني البدل، ولو رفعه كان صواباً‏.‏ وأورده أيضاً عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويومَ القيامة تَريَ الذينَ كَذَبُوا على اللَّهِ وجوهُهم مسودَّة‏}‏‏.‏

وتبعه الزجاج فيها، ونسبه إلى عدي بن زيد، قال في الآية‏:‏ ترفع وجوههم ومسودة لأن الفعل قد وضع على الذين، ثم جاء بعد الذين اسم له فعل، فرفعته بفعله وكان فيه معنى نصب‏.‏ وكذلك فافعل بكل اسم أوقعت عليه الظن، والرأي، وما أشبههما، فارفع ما يأتي بعده من الأسماء إذا كان أفاعيلها بعدها، كقولك‏:‏ رأيت عبد الله أمره مستقيم‏.‏ فإن قدمت الاستقامة نصبتها، ورفعت الاسم، فقلت‏:‏ رأيت عبد الله مستقيماً أمره‏.‏ ولو نصبت الثلاثة في المسألة الأولى على التكرير، كان جائزاً، فتقول‏:‏ رأيت عبد الله أمره مستقيماً‏.‏ وقال عدي بن زيد‏:‏

ذريني إنّ أمرك لن يطاع ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

فنصب الحلم والمضاع على التكرير‏.‏

ومثله‏:‏

ما للجمال مشيها وئيدا

فخفض الجمال والمشي على التكرير‏.‏ فلو قرأ قارئ‏:‏ وجوههم مسودةً على هذا لكان صواباً‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ذريني خطاب لامرأته، أي‏:‏ اتركيني ودعيني‏.‏ وجملة‏:‏ إن حكمك الخ، مستأنفة للتعليل‏.‏

وروى سيبويه‏:‏ إن أمرك وهو بمعناه‏.‏ وجملة‏:‏ ما ألفيتني الخ، معطوفة على الجملة المستأنفة‏.‏

وروى العيني‏:‏ ولا ألفيتني‏.‏ وألفى بمعنى وجد من أخوات ظن تنصب مفعولين، والتاء المكسورة فاعلها، والنون نون الوقاية، والياء مفعول، وحلمي بدل من الياء‏.‏ وتساهل النحاس في شرح أبيات سيبويه وتبعه ابن السيد في أبيات المعاني فقالا‏:‏ حلمي بدل من النون والياء‏.‏

ومن العجائب قول العيني‏:‏ حلمي بدل من النون، وكأنه أراد أن يتبع النحاس فيسقط من قلمه، ومن قلم الناسخ عطف الياء على النون‏.‏ والحلم بالكسر‏:‏ العقل‏.‏

يقول لها‏:‏ ذريني من عذلك فإني لا أطيع أمرك، ولا وجدتني سفيهاً مضيع الحلم، وعقلي يأمرني بإتلاف مالي في اكتساب الحمد‏.‏ ومضاعا مفعول ثاني لألفى، وهو اسم مفعول من الإضاعة، ولا يصح أن يكون كما زعم بعضهم‏.‏

ونقل العيني عن تذكرة أبي حيان بأنه يجوز حلمي مضاع بالرفع على الابتداء والخبر، والجملة مفعول ثان‏.‏ وفيه أن هذا البيت من قصيدة قوافيها منصوبة‏.‏ قال ابن السيد‏:‏ لا يجوز رفعهما؛ لأن القوافي كلها منصوبة‏.‏

والبيت نسبه سيبويه لرجل من خثعم وبجيلة‏.‏ وتبعه ابن السراج في أصوله‏.‏ وعزاه الفراء والزجاج إلى عدي بن زيد العبادي، وهو الصحيح‏.‏

وكذلك قال صاحب الحماسة البصرية وأورد من القصيدة بعده هذه الأبيات‏:‏

ألا تلك الثّعالب قد تعاوت *** عليّ وحالفت عرجاً ضباعا

فإن لم تندموا فثكلت عمر *** وهاجرت المروّق والسّماعا

ولا ملكت يداي عنان طرفٍ *** ولا أبصرت من شمسٍ شعاعا

وخطّة ماجدٍ كلّفت نفسي *** إذا ضاقوا رحبت بها ذراعا

قوله‏:‏ تعاوت تفاعلت من العواء، وهو صياح الكلب والذئب والثعلب‏.‏ وأراد بالثعالب الذين لاموه على جوده حسداً ولؤماً‏.‏ والثعلب سبع جبان مستضعف، ذو مكر وخديعة، ولكنه لفرط المكر والحيلة، والخبث والخديعة يجري مع كبار السباع‏.‏

قال الجاحظ‏:‏ ومن أشد سلاح الثعلب الروغان، وفي المثل‏:‏ أروغ من ثعلب‏.‏ والروغان بالتحريك‏:‏ مصدر راغ الثعلب يروغ روغاً وروغاناً، أي‏:‏ ذهب يمنة ويسرة في سرعةٍ خديعة، فهو لا يستقر في جهة‏.‏ وحالفت بالحاء المهملة، أي‏:‏ عاهدت، يقال‏:‏ تحالفا، أي‏:‏ تعاهدا وتعاقدا على أن يكون أمرهما واحداً في النصرة والحماية‏.‏ وبينهما حلف بالكسر، أي‏:‏ عهد‏.‏ والحليف‏:‏ المعاهد‏.‏

وضباعاً‏:‏ مفعول حالفت‏.‏ وعرجا كان في الأصل صفة لضباعاً، فلما تقدم صار حالاً منه‏.‏ أي‏:‏ عاهدت تلك الثعالب من هو أسوأ حالاً منها‏.‏ والضباع بالكسر‏:‏ جمع ضبع، وهي يضرب بها المثل في حمقها فيقال‏:‏ أحمق من ضبع‏.‏

قال صاحب المصباح‏:‏ الضبع بضم الباء في لغة قيس، وبسكونها في لغة تميم، وهي أنثى، وقيل‏:‏ يقع على الذكر والأنثى؛ وربما قيل في الأنثى ضبعة، كما قيل سبع وسبعة بالسكون مع الهاء للتخفيف‏.‏ والذكر ضبعان والجمع ضباعين، مثل سرحان وسراحين‏.‏ ويجمع الضبع بضم الباء على ضباع، وبسكونها على الضبع‏.‏ انتهى‏.‏

والعرج‏:‏ جمع عرجاء، كصفر جمع صفراء‏.‏ والضبع توصف بالعرج وليس بعرجاء، وإنما يخيل ذلك للناظر‏.‏ وسبب ذلك التخيل لدونة في مفاصلها، وزيادة رطوبة في الجانب الأيمن على الأيسر منها‏.‏ كذا في حياة الحيوان للدميري‏.‏

ومن الغرائب قول العيني هنا‏:‏ قوله‏:‏ تعاوت من عواء الكلب‏.‏ وقوله‏:‏ ضباعاً جمع ضبع، وهو الحيوان المعروف، وهذا الجمع للذكر والأنثى مثل سباع وسبع‏.‏

وقوله‏:‏ عرجاً بفتح العين وكسر الراء صفة للضباع قدمت عليه للضرورة‏.‏ وتوصف الضباع بالعرج كما توصف بالخمع‏.‏

والعرج أيضاً يقال‏:‏ للقطيع من الإبل نحو الثمانين والمائة والخمسين‏.‏ فعلى هذا يكون قوله ضباعاً بالكسر‏:‏ جمع ضابع إذا كانت شديدة الجري‏.‏ هذا كلامه بحروفه‏.‏ وأي فائدة في تسطيره، ولا يزاد الطالب منه إلا جهالة‏.‏

وقوله‏:‏ فإن لم تندموا الخ، هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب‏.‏ وأراد بالندم الرجوع عن لؤمه، فإن الندم لازمه‏.‏ وجملة ثكلت دعائية‏.‏ وعمرو‏:‏ ابنه‏.‏ وهاجرت بمعنى قاطعت، من الهجر بالفتح، أي‏:‏ الترك‏.‏ والمروق أراد‏:‏ به الخمر‏.‏ يقال‏:‏ خمر مروق‏.‏ والسماع أراد به آلة الطرب واللهو‏.‏

والطرف بالكسر‏:‏ الكريم من الخيل‏.‏ والخطة بضم الخاء المعجمة‏:‏ الحالة والخصلة، وهو مفعول مقدم لكلفت‏.‏ وذراع‏:‏ تمييز محول عن الفاعل‏.‏ ورحب الذراع واسعها‏.‏ وبسطها‏:‏ طولها‏.‏ وضيق الذراع والذرع قصرها‏.‏

ووجهه أن القصير الذراع لا ينال ما يناله الطويل الذراع، ولا يطيق طاقته، فضرب الذي سقطت قوته دون بلوغ الأمر والاقتدار عليه‏.‏ وبالعكس طول الذراع وبسطها‏.‏

وقد تقدمت ترجمة عدي بن زيد مفصلة في الشاهد الستين‏.‏ وهو شاعر جاهلي‏.‏

والعبادي بكسر العين وتخفيف الموحدة، نسبة إلى عباد، وهم قبائل شتى من العرب، اجتمعوا على النصرانية بالحيرة‏.‏ وزعم الجوهري أنه بالفتح‏.‏ والصواب ما ذكرنا‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد السبعون بعد الثلاثمائة وهو من شواهد سيبويه‏:‏ الكامل

وكأنّه لهق السّراة كأنّه *** ما حاجبيه معيّنٌ بسواد

على أنه قد يعتبر الأول في اللفظ دون الثاني، أي‏:‏ يعتبر المبدل منه في اللفظ دون البدل، فإن قوله حاجبيه بدل من ضمير كأنه‏.‏

قال ابن السيد في أبيات المعاني وابن خلف‏:‏ هو بدل اشتمال، وما زائدة‏.‏

وقال أبو علي في إيضاح الشعر قوله حاجبيه بدل من الضمير، وما لا تكون إلا زائدة، وقد روعي الضمير المبدل منه في اللفظ بجعل معين مفرداً؛ ول روعي الذي هو حاجبيه لقيل معينان بالتثنية‏.‏

وقد يقال‏:‏ إن الحاجبين، لما لزم أحدهما الآخر صار الإخبار عنهما كالإخبار عن الشيء الواحد، وكذا حال ما هو مثنى في البدن، يجوز إفراد خبره وصفته على المعنى، وتثنيته على اللفظ، كقوله‏:‏ الهزج

لمن زحلوقةٌ زلّ *** لها العينان تنهلّ

فأخبر عن العينين بما يكون خبراً عن الواحد‏.‏ وعليه قول المتنبي‏:‏ الطويل

حشاي على جمرٍ ذكيّ من الهوى *** وعيناي في روضٍ من الحسن ترتع

وقال آخر‏:‏ الكامل

وكأنّ بالعينين حبّ قرنفلٍ *** وسنبلاً كحلت به فانهلت

وكان الظاهر أن يقول‏:‏ كحلتا، فأفرد لأنهما لا يفترقان‏.‏ ويجوز عكس هذا فيخبر عن الواحد منهما بالتثنية، كقوله‏:‏ المتقارب

وعينٌ لها حدرةٌ بدرةٌ *** وشقّت مآقيهما من آخر

فابتدأ بذكر عين واحدة، ثم أخبر عن الاثنتين‏.‏

ومنه قول الآخر على وجه‏:‏ الوافر

تسائل بابن أحمر من رآه *** أعارت عينه أم لم تعارا

فما استفهم عن الواحدة عطف بالاثنتين في قوله‏:‏ أم لم تعارا‏.‏ وقيل‏:‏ معين مصدر كممزق؛ وإذا أخبر بالمصدر كان موحداً‏.‏

هذا وسيبويه إنما أورد البيت للبدل، ولم يذكر ما اعتبره الشارح المحقق‏.‏ وهذه عبارته‏:‏ وإن شئت قلت‏:‏ ضرب عبد الله ظهره، ومطر قومك سهلهم، على قولك‏:‏ رأيت القوم أكثرهم، ورأيت عمراً شخصه، كما قال‏:‏

وكأنّه لهق السّراة ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

انتهى‏.‏

ويجوز أن يكون هذا من قبيل بدل البعض‏.‏ وما ذكره الشارح المحقق هو كلام أبي علي في إيضاح الشعر، قال في موضع آخر منه‏:‏ قد جاء الحمل على المبدل منه‏.‏ قال‏:‏

وكأنّه لهق السّراة ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

فجعل الخبر فيه عن المبدل منه دون البدل‏.‏

وقوله‏:‏ وكأنه لهق الخ، رواه سيبويه فكأنه بالفاء‏.‏ قال الأعلم‏:‏ وصف الشاعر ثوراً وحشياً سبه به بعيره في حدته ونشاطه، فيقول‏:‏ كأنه ثور لهق السراة، أي‏:‏ أبيض أعلى الظهر، أسفع الخدين، كأنما عين بسواد‏.‏ وكذلك بقر الوحش بيض كلها إلا سفعة في خدودها ومغابنها وأكارعها‏.‏ انتهى‏.‏

وقال ابن خلف‏:‏ اللهق‏:‏ البياض‏.‏ والسراة‏:‏ أعلى الشيء‏.‏ وثور الوحش يوصف بأنه لهق السراة‏.‏ وقيل‏:‏ إنه يصف جملاً وسيره وسرعته، وشبهه بثور وحش في سرعته‏.‏ والجملة التي هي‏:‏ كأنه ما حاجبيه الخ، وصف للثور‏.‏ وترتيب الكلام‏:‏ كأن هذا الجمل ثور لهق السراة، كأن هذا الثور حاجبيه معين بسواد، يعني أن ما حول حاجبيه وعينيه أسود‏.‏ والعينة‏:‏ ما حول العينين، كأنه قال‏:‏ مسود العينة‏.‏ انتهى‏.‏

وفي العباب‏:‏ قال الليث‏:‏ اللهق بالتحريك‏:‏ الأبيض ليس بذي بريق كاليقق، إنما هو نعت في الثوب والشيب‏.‏ والبعير الأعيس لهق، والأنثى لهقة، والجمع لهقات ولهاق‏.‏ ولهق الشيء لهقاً، مثل سحق سحقاً، ولهق لهقاً مثل أرق أرقاً، إذا كان شديد البياض‏.‏ انتهى‏.‏

يريد أنه جاء من بابي فتح فتحاً وفرح فرحاً‏.‏ والسراة بفتح السين، قال صاحب الصحاح‏:‏ وسراة كل شيء‏:‏ ظهره ووسطه‏.‏ والمعين‏:‏ بزنة اسم المفعول، ولم يزد صاحب الصحاج على قوله المعين ثور‏.‏

وفي القاموس‏:‏ والمعين كمعظم‏:‏ ثور بين عينيه سواد، وهو مشتق من العينة بالكسر، وهي مصدر عين عيناً من باب فرح وعينة، إذا عظم سواد عينه في سعة‏.‏ والعينة أيضاً من النعجة‏:‏ ما حول عينيها‏.‏

وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف لها قائل‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد الحادي والسبعون بعد الثلاثمائة الكامل

إنّ السّيوف غدوّها ورواحه *** تركت هوازن مثل قرن الأعضب

لما تقدم قبله، فإن قوله غدوها بدل من السيوف‏.‏

قال المبرد في الكامل‏:‏ هو بدل اشتمال، وقد روعي المبدل منه في اللفظ بإرجاع الضمير إليه من الخبر، ولم يراع البدل، ولو روعي لقيل‏:‏ تركا بالتثنية‏.‏

وهذا أيضاً كلام أبي علي في إيضاح الشعر فإنه أورد هذا البيت مع البيت الذي قبله لما ذكر‏.‏ وفيه أن يحتمل أن نصب غدوها على الظرف، كخفوق النجم، وكأنه قال‏:‏ إن السيوف وقت غدوها ورواحها‏.‏

وهوازن‏:‏ أبو قبيلة، وهو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس ابن عيلان بن مضر‏.‏ والأعضب بإهمال العين‏.‏ قال صاحب العباب‏:‏ العضباء‏:‏ الشاة المكسورة القرن الداخل، وهو المشاش‏.‏

ويقال‏:‏ هي التي انكسر أحد قرنيها، وقد عضبت بالكسر، وكبش أعضب بين البعض‏.‏ وأنشد هذا البيت‏.‏

وهو من قصيدة للأخطل عدتها ستة عشر بيتاً‏.‏ مدح بها العباس بن محمد بن عبد الله بن العباس رضي الله عنه، فأعطاه ألف دينار، وكان يقال له المذهب لجماله‏.‏ روي أنه خرج على فرس له، وعليه مطرف خز، فأشرفت امرأة فنظرت إليه فقالت‏:‏ ما أحسن هذا‏؟‏‏!‏ فتقطر به فرسه فمات‏.‏

وهذا مطلع القصيدة‏:‏

بان الشّباب وربّما علّلته *** بالغانيات وبالشّراب الأصهب

ولقد شربت الخمر في حانوته *** ولعبت بالقينات عفّ الملعب

وقال في مدحه‏:‏

لذّ تقبّله النّعيم كأنّم *** مسحت ترائبه بماءٍ مذهب

لبّاس أردية الملوك تروقه *** من كلّ مرتقبٍ عيون الرّبرب

ينظرن من خلل السّتور إذا بد *** نظر الهجان إلى الفنيق المصعب

خضل الكياس إذا تنشّى لم تكن *** خلفاً مواعده كبرق الخلّب

وإذا تعوورت الزّجاجة لم يكن *** عند الشّراب بفاحش متقطّب

اللذ بالفتح‏:‏ المتلذذ‏.‏ وتقبله النعيم، إذا استبان عليه‏.‏ والربرب‏:‏ جماعة النساء‏.‏ والهجان من الإبل‏:‏ كرامها وبيضها‏.‏ والفنيق‏:‏ الفحل المتروك لا يركب ولا يحمل عليه‏.‏ والخضل‏:‏ الندي والكياس‏.‏ والتعاور‏:‏ التداول‏.‏

وبعد هذا اقتضب الكلام فقال‏:‏

إنّ السّيوف غدوّها ورواحه ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

وبعده‏:‏

وتركن عمّك من غنيّ ممسك *** بإزاء منخرق كجحر الثّعلب

وتركن فلّ بني سليمٍ تابع *** لبني ضبينة كاتّباع التّولب

ألقوا البرين بني سليمٍ إنّه *** شانت وإنّ حزازها لم يذهب

ولقد علمت بأنّها إذ علّقت *** سمة الذّليل بكلّ أنفٍ مغضب

والخيل تعدو بالكماة كأنّه *** أسد الغياطل من فوارس تغلب

وهذا آخر القصيدة‏.‏

وقوله‏:‏ وتركن عمك من غني الخ، غني‏:‏ قبيلة‏.‏ قال شارح ديوانه السكري‏:‏ هذا مثل، يقول‏:‏ لا شيء بأيديهم، كأنهم تمسكوا بحوض صغير قد ذهب ماءه‏.‏ وإزاء الحوض‏:‏ موضع مصب الدلو في مقدمه، فيوضع هناك جحر يصب عليه الماء، وعباءة، لئلا يثور الطين فيفسد الماء ويكدر‏.‏

وقوله‏:‏ وتركن فل بني سليم، الفل بالفتح‏:‏ المنهزمون‏.‏ وسليم بالتصغير‏.‏ وضبينة، بفتح المعجمة وكسر الموحدة وقبل الهاء نون، هي أم سعد مناة بن غامد بن الأزد، غلبت على نسب ولدها‏.‏ قاله السكري‏.‏

وقوله‏:‏ ألقوا البرين الخ، ألقوا‏:‏ أمر من الإلقاء‏.‏ والبرين‏:‏ جمع برة بضم الموحدة، وهي ما يخزم به الأنف‏.‏ وبني سليم‏:‏ منادى‏.‏ وذلك أن امرأة من سليم خزمت أنفها لما قتل عمير بن الحباب وحلفت أن لا تنزعها حتى تدرك بثأره‏.‏

والغياطل‏:‏ جمع غيطل، وهو الشجر الكثير الملتف‏.‏ وتغلب‏:‏ قبيلة الأخطل‏.‏ افتخر بفوارس قومه‏.‏

وترجمته تقدمت في الشاهد الثامن والسبعين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد الثاني والسبعون بعد الثلاثمائة وهو من شواهد سيبويه‏:‏ الرجز

إنّ عليّ اللّه أن تبايع *** تؤخذ كره وتجيء طائعا

على أن الفعل قد يبدل من الفعل، إذا كان الثاني راجح البيان على الأول كما في البيت‏.‏ فتؤخذ بدل من تبايع، وتجيء‏:‏ معطوف على تؤخذ‏.‏ وهذا البدل أبين من المبدل منه، والبدل في الحقيقة، إنما هو مجموع المعطوف والمعطوف عليه، إذ لا تكون المبايعة إلا على أحد الوجهين من إكراه وطاعة‏.‏ وهو كقولهم‏:‏ الرمان حلو حامض، وإن كان يقال باعتبار اللفظ إن تجيء معطوف على تؤخذ، كما يقال في مثل ذلك من الخبر والحال‏.‏

والآية قبل البيت من بدل الكل، قال الخليل‏:‏ لأن مضاعفة العذاب هي لقي الأثام‏.‏ والظاهر أن بدل الفعل من الفعل عند الشارح المحقق إنما يكون في بدل الكل، وهو مذهب السيرافي، قال‏:‏ لا يبدل الفعل إلا من شيء هو في معناه لأنه لا يتبعض ولا يكون فيه اشتمال، فتؤخذ كره وتجيء طائعاً هو معنى المبايعة، لأنها تقع على أحدهما‏.‏

وقد يظهر من كلام سيبويه في باب ما يرتفع بين الجزمين‏.‏

وقد جوز المتأخرون الأبدال الأربعة في الفعل، منهم الشاطبي في شرح الألفية قال‏:‏ يتصور في بدل الفعل من الفعل، ما تصور في بدل الاسم من الاسم فقد يكون فيه بدل الكل من الكل، ومنه قوله‏:‏ الطويل

متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا

وقد يكون فيه بدل البعض كقولك‏:‏ إن تصل تسجد لله يرحمك‏.‏ وبدل الاشتمال أيضاً، ومنه قوله‏:‏

إنّ على اللّه أن تبايع ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

لأن الأخذ كرهاً، والمجيء طوعاً من صفات المبايعة‏.‏ وظاهر كلام سيبويه يقتضي أنه أنشده شاهداً على بدل الاشتمال؛ لأنه أتى به مع قول الآخر‏:‏ الطويل

فما كان قيسٌ هلكه هلك واحدٍ

وقول الآخر‏:‏

وما ألفيتني حلمي مضاعا

وذلك في باب من أبواب بدل البعض والاشتمال‏.‏ وإذا ثبت بدل البعض ثبت بدل الاشتمال‏:‏ لأنه مشبه به، إذ عدوا وصف الشيء كالجزء منه‏.‏ وقد يكون فيه بدل الإضراب والغلط، نحو إن تطعم زيداً تكسه أكرمك‏.‏ وقد سأل سيبويه الخليل عن قولك‏:‏ إن تأتنا تسألنا نعطك، بجزم تسألنا‏.‏

فقال‏:‏ هذا يجوز على أن يكون مثل الأول، لأن الأول الفعل الآخر، تفسير له، وهو هو‏.‏ يعني ما تقدم في بدل الشيء من الشيء، والسؤال لا يكون الإتيان‏.‏

قال‏:‏ ولكنه يجوز على الغلط والنسيان ثم يتدارك‏.‏ وقال بعد‏:‏ فلو قلت إن تأتني آتك أقل ذلك‏.‏ كان غير جائز، لأن القول ليس بالإتيان، إلا أن تجيزه على ما جاز عليه تسألنا‏.‏ فهذا نص لجواز بدل الغلط والنسيان‏.‏ وجواز بدل الإضراب أولى‏.‏ انتهى كلام الشاطبي‏.‏

فإن قلت‏:‏ بدل الاشتمال والبعض لا بد لهما من ضمير فكيف الحال على قول الشاطبي‏؟‏ قلت‏:‏ لا يمكن الضمير هنا لظهور أن ذاك خاص بالأسماء، لتعذر عود الضمير على الأفعال‏.‏ كذا في شرح التوضيح للشيخ خالد‏.‏

وقول الشارح المحقق‏:‏ إذا كان الثاني راجح البيان، مثله في التسهيل قال‏:‏ ويبدل فعل من فعل موافق في المعنى مع زيادة بيان‏.‏ انتهى‏.‏

ولي يعتبر غيرهما هذا القيد‏.‏ ولم يتعرض له أصلاً أبو حيان في الارتشاف‏.‏ قيل‏:‏ والحق عدم اعتباره‏.‏ وأما اعتبار الموافقة في المعنى فقد اعتبروه، منهما بن معطي، قال‏:‏ وأبدلوا الفعل من الفعل إذا كان بمعناه‏.‏

قال ابن الخباز‏:‏ إنما يكون ذلك إذا ترادف اللفظان، كقولك من يأت يمش إلي أكلمه‏.‏ انتهى‏.‏

وهذا عند الشارح المحقق من باب التوكيد كما صرح به هنا‏.‏ وقوله‏:‏ إنما يكون في ترادف اللفظين، ممنوع‏.‏

وهنا فائدة حسنة ذكرها ابن هشام في حواشي الألفية، وهي أنه ينبغي أن يشترط لإبدال الفعل من الفعل ما اشترط لعطف الفعل، وهو الاتحاد في الزمان فقط، دون الاتحاد في النوع، حتى يجوز‏:‏ إن جئتني تمش إلي أكرمك‏.‏ انتهى‏.‏

واعلم أن إبدال الفعل من الفعل، هو إبدال مفرد من مفرد، بدليل ظهور النصب كما في الشاهد، وظهور الجزم كما في الآية‏.‏

وزعم ابن السيد في أبيات المعاني، وتبعه ابن خلف، والعيني، والحفيد في حاشية المختصر أن هذا من إبدال جملة من جملة‏.‏ وهو سهو‏.‏

قال الشيخ خالد في شرح التوضيح‏:‏ والفرق بين بدل الفعل وحده الجملة، أن الفعل يتبع ما قبله في إعرابه لفظ وتقديراً، والجملة تتبع ما قبلها محلاً إن كان له محل‏.‏ وإلا فإطلاق التبعية عليها مجاز، إذ التابع كل ثان أعرب بإعراب سابقه الحاصل والمتجدد‏.‏ انتهى‏.‏

وقضية هذا‏:‏ أنه لا يتصور في الفعل المرفوع أن يكون بدلاً من فعل مرفوع، وذلك لأن سبب الإعراب متوفر فيه مع قطع النظر عن التبعية، وهو تجرده عن الناصب والجازم، فرفعه لتجرده، لا لكونه تابعاً لغيره، فكيف يكون بدلاً مع انتفاء التبعية لانتفاء الإعراب بإعراب سابقه‏.‏ وهكذا يقال في العطف‏:‏ لا يتصور عطف الفعل المرفوع على مثله‏.‏

ومما يشكل في البدل قول البيضاوي وغيره‏:‏ إن يتزكى في سورة الليل، بدل من قوله‏:‏ يؤتي ماله، لأن يؤتي مرفوع لتجرده، فلم يعرب بإعراب سابقه‏.‏

وأجاب بعضهم بأن المراد أن البدل جملة يتزكى، من جملة يؤتي ماله‏.‏ وهذا لا يدفع الإشكال عن كلام البيضاوي، لا عن ظاهر كلامهم أن الفعل يبدل من الفعل، وعمومه شامل للفعل المرفوع‏.‏

وجزم السيد عيسى الصفوي بأنه لا يكون مضارع مرفوع تابعاً لمضارع مرفوع، وأجاب عما أورد على البيضاوي، بأن المراد كل ثان أعرب بإعراب سابقه ولم يكن معرباً لمقتض للإعراب غير التبعية‏.‏

قيل‏:‏ قد يقال لا مانع من كون المضارع عند التبعية مرفوعاً بالتبعية، وإن كان فيه مقتض آخر للرفع وهو التجرد، بناء على جواز تعدد السبب‏.‏ وفيه نظر، فإنهم قالوا‏:‏ العامل بمنزلة المؤثر الحقيقي، ولا يجتمع مؤثران على أثر‏.‏

وسكت الشارح المحقق عن إبدال الجملة من الجملة، وعن إبدال الجملة من المفرد وعكسه‏.‏

أما الأول فقد قال الشيخ خالد‏:‏ تبدل الجملة من الجملة بدل بعض واشتمال وغلط، ولا تبدل بدل كل، نحو‏:‏ قعدت جلست في دار زيد، فإنه توكيد‏.‏

أما بدل البعض فنحو قوله تعالى‏:‏ أمدكم بما تعلمون‏.‏ أمدكم بأنعام وبنين، فجملة أمدكم الثانية أخص من الأولى باعتبار متعلقيهما، فتكون داخلة في الأولى‏.‏

وأما بدل الاشتمال فكقوله‏:‏ الطويل

أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا

فقوله‏:‏ تقيمن عندنا، بدل اشتمال من ارحل، لما بينهما من الملابسة اللزومية وليس توكيداً له، لاختلاف لفظيهما، ولا بدل بعض لعدم دخوله في الأول ولا بدل كل لعدم الاعتداد به، ولا غلط لوقوعه في الفصيح‏.‏

وأما بدل الغلط فنحو‏:‏ قم اقعد‏.‏

وأما إبدال الجملة من المفرد، فقد أورد له ابن هشام في شرح الألفية قول الفرزدق‏:‏ الطويل

إلى اللّه أشكو بالمدينة حاجةً *** وبالشّام أخرى كيف يلتقيان

قال، أبدل كيف يلتقاين، وهو جملة مستأنفة، نبه بها على سبب الشكوى وهو استبعاد ما بين الحاجتين‏.‏

وأما عكس هذا، وهو إبدال مفرد من جملة، فقد قال أبو حيان في البحر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولم يجعَلْ له عِوَجاً قَيِّم‏}‏ قال‏:‏ قيماً بدل من جملة لم يجعل له عوجاً، لأنها في معنى المفرد، أي‏:‏ جعله مستقيماً‏.‏

وقال ابن هشام في المغني في بحث كيف‏:‏ إن جملة كيف خلقت بدل من الإبل بدل اشتمال، والمعنى إلى الإبل كيفية خلقها‏.‏ ومثله‏:‏ ألم تَرَ إلى ربِّك كيف مدَّ الظِّلَّ ، وكل جملة فيها كيف، فهي بدل من اسم مفرد‏.‏ وقال السيوطي في الهمع‏:‏ إن بدل الجملة من المفرد بدل اشتمال‏.‏

وبقي إبدال الفعل من اسم يشبهه، وبالعكس، وإبدال الحرف من مثله‏.‏

أما الأول فقد قال ابن هشام في حواشي الألفية‏:‏ ينبغي أن يجوز إبدال الاسم من الفعل وبالعكس، كما جاز العطف، نحو‏:‏ زيد متق يخاف الله، ويخاف الله متق‏.‏ انتهى‏.‏

والظاهر أن يخاف الله اسئناف بياني، والبدل هو الجملة، لا الفعل وحده في الأول، ومتق خبر بعد خبر في الثاني، والتقوى غير الخوف، فإن الوقاية فرط الصيانة‏.‏

وأما الثاني فقد ذكره سيبويه، وجعل منه‏:‏ أَيَعِدُكُمْ أنَّكمْ إذا مِتُّمْ وكُنتم تُراباً وعظاما أنَّكُمْ مُخْرَجون ، فجلع أن الثانية بدلاً من الأولى، لا توكيداً كما قال غيره‏.‏

وقوله‏:‏ إن علي الله الخ، قال ابن خروف في شرح الكتاب‏:‏ الله منصوب على القسم، ويجوز أن يكون اسم إن، والخبر الجار والمجرور، وأن مفعول من أجله‏.‏

وأنشد يحيى‏:‏ الطويل

وإنّ عليّ اللّه لا تحملونني *** على خطّةٍ إلاّ انطلقت أسيرها

فلز حذفت إن، لقلت‏:‏ علي عهد الله لأضربنك‏.‏ قال الفراء‏:‏ ويجوز علي الله أن أضربك‏.‏ انتهى‏.‏

وقال ابن خلف‏:‏ هذا الشاعر حلف على مخاطبه بالله، أنه لا بد له من أن يبايع، فلما حذف حرف القسم، نصب الاسم، وأن تبايع‏:‏ اسم إن، وعلي خبر إن، والقسم معترض بين الاسم والخبر‏.‏

ونقل العيني عن بعض شراح الكتاب أن علي متعلق باستقرار محذوف في موضع خبر إن، كأنه قال‏:‏ وجب علي اليمين بالله، لأن هذا الكلام قسم، وأن تبايعا يتعلق بعلي، أعني بما فيه من معنى الاستقرار‏.‏ انتهى‏.‏

وهذا التعلق غير ظاهر‏.‏

والمبايعة‏:‏ بمعنى البيعة والطاعة للسلطان‏.‏ وأصل البيعة الصفقة على إيجاب البيع‏.‏ وأيمان البيعة هي التي رتبها الحجاج مشتملة على أمور مغلظة من طلاق وعتق وصوم ونحو ذلك‏.‏ وتؤخذ بدل من تبايع كما تقدم‏.‏

قال السيرافي‏:‏ النصب في هذه الأبيات على البدل جيد، ولو رفع على الابتداء لكان أكثر وأعرف، فيقول‏:‏ هلكه هلك واحد، وما ألفيتني حلمي مضاع، وتكون الجملة في موضع الحال، وتؤخذ كرهاً، وتجيء طائعاً على معنى أنت تؤخذ كرهاً؛ فيكون أنت تؤخذ في موضع الحال‏.‏ انتهى‏.‏

وهذا كقوله‏:‏ الطويل

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره *** تجد خير نارٍ عندها خير موقد

رفع تعشو بين المجزومين، أعني الشرط والجزاء لأنه قصد به الحال، أي‏:‏ متى تأته عاشياً، أي‏:‏ ناظراً إلى ضوء ناره‏.‏ وكذلك كل ما وقع بين مجزومين‏.‏ وعليه قراءة‏:‏ يرثني ويرث من آل يعقوب بالرفع، لم يجعله جواباً، وإنما جعله وصفاً، أي‏:‏ وارثاً من يعقوب‏.‏ فتدبره فإنه كثير‏.‏ كذا في أبيات المعاني لابن السيد‏.‏

وقوله‏:‏ كرهاً مفعول مطلق، أي‏:‏ تؤخذ أخذاً كرهاً‏.‏ ويجوز أن يكون حالاً بتأويله باسم الفاعل‏.‏ وهو المناسب لقوله‏:‏ طائعاً، فإنه حال‏.‏

وهذا البيت قلما خلا عنه كتاب نحوي، ومع شهرته لا يعلم قائله، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف قائلها‏.‏ والله أعلم‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ الشاهد الثالث والسبعون بعد الثلاثمائة وهو من أبيات س‏:‏ الطويل

وكنت كذي رجلين رجلٌ صحيحةٌ *** ورجلٌ رمى فيها الزّمان فشلّت

على أنه يروى رجل بالجر على أنه بدل مع أخرى مفصل من رجلين‏.‏ ويروى بالرفع على أنه بدل مقطوع‏.‏

أنشده سيبويه في باب مجرى النعت على المنعوت والبدل على المبدل منه، قال‏:‏ ومثل ما يجيء في هذا الباب على الابتداء وعلى الصفة والبدل، قوله جل وعز‏:‏ قَد كان لَكُمْ آيةٌ في فِئَتَينَ التَقتا فئةٌ تقاتلُ في سَبيل اللَّه وأخرى كَافِرةٌ ‏.‏ ومن الناس من يجر، والجر على وجهين‏:‏ على الصفة وعلى البدل‏.‏

ومنه قول كثير عزة‏:‏

وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

وقوله‏:‏ ومثل ما يجيء في هذا الباب الخ، يريد أنه يرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير‏:‏ إحداهما فئة تقاتل الخ‏.‏ والجملة صفة لفئتين‏.‏

وقوله‏:‏ ومن الناس من يجر الخ، يريد أن فئة بدل من فئتين‏.‏ والصفة جائزة كما تقول‏:‏ سررت برجلين قائم وقاعد‏.‏ وإنما جعل فئة صفة لفئتين، لأن فئة موصوفة، فكان اعتماد الصفة في فئتين على صفة فئة، كما تقول‏:‏ مررت برجلين رجل صادق ورجل كاذب‏.‏

وقول كثير‏:‏ ورجل على رواية الرفع، إما خبر مبتدأ محذوف، تقديره هما رجل صحيحة ورجل أخرى، وتقديره إحداهما رجل صحيحة والأخرى رجل‏.‏ فالكلام على الأول جملة واحدة وعلى الثاني جملتان‏.‏ وإما مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير‏:‏ منهما رجل صحيحة ومنهما رجل، فالكلام جملتان‏.‏

وقال العيني‏:‏ ويجوز نصب رجل في الموضعين على إضمار أعني‏.‏ وعلى رواية جر رجل يكون على الإبدال من رجلين، بدل نكرة من نكرة‏.‏ وجه أورده ابن هشام في المغني والمرادي في شرح الألفية‏.‏ وإنما أبدل لأجل الصفة، وهو وصف الرجل الأولى بصحيحة والثانية بجملة رمى‏.‏

ولما كان المبدل منه مثنى وجب الإتيان باسمين‏.‏ ويعرف نحو هذا الإبدال ببدل المفصل من المجمل، لأنه أجمل أولاً ثم فصل ثانياً‏.‏ وجملة رمى الخ، صفة لرجل الثانية‏.‏ ومفعول رمى محذوف تقديره‏:‏ رمى فيها الزمان داء فشلت‏.‏

وشلت‏:‏ أصله سللت تشل شللاً، من باب فرح‏.‏ والشلل‏:‏ آفة تصيب اليد والرجل فتيبس منها، وقيل تسترخي‏.‏ يقال‏:‏ سلت يده، وأشلها الله‏.‏

وقبل هذا البيت‏:‏

وكنّا سلكنا في صعودٍ من الهوى *** فلمّا توافينا ثبتّ وزلّت

وكنّا عقدنا عقدة الوصل بينن *** فلمّا تواثقنا شددت وحلّت

أريد الثّواء عندها وأظنّه *** إذا ما أطلنا عندها المكث ملّت

فليت قلوصي عند عزّة قيّدت *** بجعل ضعيفٍ عزّ منها فضلّت

وغودر في الحيّ المقيمين رحله *** وكان لها باغٍ سواي فبلّت

الصعود بالفتح‏:‏ خلاف الهبوط‏.‏ والثواء بالفتح‏:‏ الإقامة‏.‏ وعز منه بمعنى، غلبه وقوي عليه‏.‏ وفي العباب‏:‏ قال الفراء‏:‏ يقال بلت مطيته على وجهها، إذا همت ضالة‏.‏ وأنشد هذا البيت، وهو بالباء الموحدة‏.‏

واختلف أصحاب المعاني في معنى البيت الشاهد، فقال الأعلم‏:‏ تمنى أن تشل إحدى رجليه وهو عندها، وتضل ناقته فلا يرحل عنها، فيكون قوله‏:‏ وكنت كذي رجلين الخ، معطوفاً على قوله‏:‏ قيدت، ليدخل في التمني‏.‏

وقال ابن سيده‏:‏ لما خانته عزة العهد فزلت عن عهده، وثبت هو على عهدها، صار كذي رجلين رجل صحيحة، وهو ثباته على عهدها، وأخرى مريضة، وهو زللها عن عهده‏.‏

وقال عبد الدائم‏:‏ معنى البيت أنه بين خوف ورجاء، وقرب وثناء، كما قال المتنبي‏:‏ الطويل

وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه *** وفي الهجر فهو الدّهر يرجو ويتّقي

وقال غيرهم‏:‏ تمنى أن تضيع قلوصه، فيبقى في حي عزة، فيكون ببقائه في حيها كذي رجل صحيحة، ويكون في عدمه لقلوصه كذي رجل عليلة‏.‏

حكى هذه الأقوال اللخمي، وقال‏:‏ وهذا القول الأخير هو المختار المعول عليه، وهو الذي يدل عليه ما قبل البيت، وهو اختيار الأستاذ أبي عبد الله بن أبي العافية‏.‏ وقد أخذ كثير هذا البيت من النجاشي، وهو قوله‏:‏ الطويل

وكنت كذي رجلين رجل صحيحةٍ *** ورجلٍ رمت فيها يد الحدثان

فأمّا التي صحّت فأزد شنوءةٍ *** وأمّا التي شلّت فأزد عمان

وقد أورده ابن رشيق في العمدة في السرقات الشعرية، وسماه الاهتدام‏.‏ قال‏:‏ فأخذ كثير القسم الأول، واهتدم باقي البيت، فجاء بالمعنى في غير اللفظ‏.‏

وهذه القصيدة كلها نسيب بعزة، وهي من منتخبات قصائده، والتزم فيها ما لا يلزم الشاعر، وذلك اللام قبل حرف الروي، اقتداراً في الكلام وقوة في الصناعة، وما خرم ذلك إلا في بيت واحد، هو‏:‏

فما أنصفت أمّا النّساء فبغّضت *** إليّ وأمّا بالنّوال فضنّت

وهي قصيدة‏.‏ وهذا مطلعها مع جملة أبيات منها وقعت شواهد للنحويين‏:‏

خليليّ هذا ربع عزّة فاعقل *** قلوصيكما ثمّ ابكيا حيث حلّت

وما كنت أدري قبل عزّة ما البك *** ولا موجعات القلب حتّى تولّت

إلى أن قال‏:‏

وإنّي وتهيامي بعزّة بعد م *** تخلّيت فيما بيننا وتخلّت

لكالمبتغي ظلّ الغمامة كلّم *** تبوّا منها للمقيل اضمحلّت

يكلّفها الغيران شتمي وما به *** هواني ولكن للحليل استذلّت

هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ *** لعزّة من أعراضنا ما استحلّت

أسيئي بن وأحسني لا ملومةً *** لدينا ولا مقليّة إن تقلّت

وقوله‏:‏ وما كنت أدري قبل عزة الخ، استشهد به ابن هشام في شرح الألفية على نصب موجعات عطفاً على محل مفعول أدري المعلق بما الاستفهامية، لأن المعلق أبطل عمله لفظاً لا محلاً‏.‏

وقال في مغني اللبيب‏:‏ فائدة الحكم على محل الجملة في التعليق بالنصب ظهور ذلك في التابع، فتقول‏:‏ عرفت من زيد وغير ذلك من أموره‏.‏

واستدل ابن عصفور بنصب موجعات من هذا البيت‏.‏ ولك أن تدعي أن البكاء مفعول، وأن ما زائدة، وأن الواو للحال وموجعات اسم لا، أي وما كنت أدري قبل عزة، والحالة أنه لا موجعات للقلب موجودة، ما البكا‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ وإني وتهيامي بعزة الخ، التهيام بالفتح‏:‏ مبالغة الهيام بالضم، وهو كالجنون من العشق‏.‏

قال ابن جني في سر الصناعة‏:‏ سألت أبا علي عن قول كثير‏:‏ وإني وتهيامي بعزة البيت، وجعل الجملة اعتراضاً بين اسم إن وخبرها، لأن فيها ضرباً من التسديد للكلام‏.‏ ويحتمل أن تكون الواو للقسم فالباء على هذا متعلقة بتهيامي‏.‏ وعرضت هذا على أبي علي فقبله‏.‏ انتهى‏.‏

وقد نقل ابن هشام ما حكيته عنهما في الجملة المعترضة من المغني‏.‏

وقوله‏:‏ هنيئاً مريئاً غير داء الخ، أورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلوا واشربوا هَنِيئاً بما كُنتمُ تَعْملُون‏}‏ على أن الباء زائدة وما‏:‏ فاعل هنيئاً، وهو صفة استعملت استعمال المصدر القائم مقام الفعل، كأنه قال‏:‏ هنأكم الأكل والشرب‏.‏

وهنيئاً لعزة ما استحلت من أعراضنا‏.‏ الهنيء والمريء صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ كشرف، إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه‏.‏ والمخامر‏:‏ المخالط‏.‏

وقوله‏:‏ أسيئي بن وأحسني الخ، هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب‏.‏

وأورده صاحب الكشاف أيضاً عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أنفقوا طَوْع وكَرْهاً لن يُتقبَّل منكم‏}‏ على تساوي الإنفاقين في عدم القبول، كما ساوى كثير بين الإحسان والإساءة في عدم اللوم‏.‏

والنكتة في مثل ذلك إظهار نفي تفاوت الحال بتفاوت فعل المخاطب، كأنه يأمرها بذلك لتحقيق أنه على العهد‏.‏ ومقلية بمعنى مبغضة، من القلي وهو البغض‏.‏ وقوله‏:‏ إن تقلت التفات من الخطاب إلى الغيبة‏.‏

وروى صاحب الأغاني بسنده عن هيثم بن عدي قال‏:‏ سأل عبد الملك بن مروان كثيراً عن أعجب خبر له مع عزة، فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين، حججت سنة، وحج زوج عزة معها، ولم يعلم أحدنا بصاحبه، فلما كنا ببعض الطريق أمرها زوجها بابتياع سمن تصلح به طعاماً لرفقته، فجعلت تدور الخيام خيمة خيمة، حتى دخلت إلي، وهي لا تعلم أنها خيمتي، وكنت أبري سهماً، فلما رأيتها جعلت أبري لحمي، وأنظر حتى بريت ذراعي وأنا لا أعلم به، والدم يجري، فلما علمت ذلك، دخلت إلي فأمسكت يدي، وجعلت تمسح الدم بثوبها، وكان عندي نحي سمن فحلفت لتأخذنه‏.‏

فأخذته وجاءت زوجها، فلما رأى الدم سألها عن خبره فكاتمته، حتى حلف عليها لتصدقنه‏.‏ فصدقته فضربها، وحلف عليها لتشتمني في وجهي، فوقفت علي وهو معها وقالت لي، وهي تبكي‏:‏ يا ابن الزانية‏!‏ ثم انصرفا وذلك حيث أقول‏:‏

يكلّفها الغيران شتمي وما بها

الأبيات الثلاثة‏.‏

وروى صاحب الأغاني أيضاً قال‏:‏ وقفت على جماعة تكلموا في وفي جميل‏:‏ أينا أصدق عشقاً، وهم لا يعرفونني، ففضول جميلاً، فقلت لهم‏:‏ قد ظلمتم كثيراً، كيف يكون جميل أصدق منه عشقاً وحين أتاه من بثينة ما يكره قال‏:‏ الطويل

رمى اللّه في جفني بثينة بالقذى *** وفي الغرّ من أنيابها بالقوادح

وكثير حين أتاه ما يكره من عزة قال‏:‏

هنيئاً مريئاً غير داء مخامر ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

وهذه القصيدة جيدة فلا بأس بإيرادها على رواية أبي علي القالي في أماليه قال‏:‏ قرأت هذه القصيدة على أبي بكر بن دريد في شعر كثير، وهي من منتخبات كثير، وأولها‏:‏

خليليّ هذا ربع عزّة فاعقل *** قلوصيكما ثمّ ابكيا حيث حلّت

ومسّا تراباً كان قد مسّ جلده *** وبيتاً وظلاّ حيث باتت وظلّت

ولا تيأسا أن يمحو اللّه عنكم *** ذنوباً إذا صلّيتما حيث صلّت

وما كنت أدري قبل عزّة ما البك *** ولا موجعات القلب حتّى تولّت

وقد حلفت جهداً بما نحرت له *** قريشٌ غداة المأزمين وصلّت

أناديك ما حجّ الحجيج وكبّرت *** بفيفا غزالٍ رفقةٌ وأهلّت

وكانت لقطع العهد بيني وبينه *** كنا ذرةٍ نذراً فأوفت وحلّت

ويروى‏:‏ وفت فأحلت‏.‏

فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبةٍ *** إذا وطّنت يوماً لها النّفس ذلّت

ولم يلق إنسانٌ من الحبّ ميعةً *** لغمّ ولا عمياء إلاّ تجلّت

كأنّي أنادي صخرةً حين أعرضت *** من الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت

صفوحاً فما تلقاك إلاّ بخيلةً *** فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت

أباحت حمىً لم يرعه النّاس قبله *** وحلّت تلاعاً لم تكن قبل حلّت

فليت قلوصي عند عزّة قيّدت *** بقيدٍ ضعيقٍ فرّ منها فضلّت

وغودر في الحيّ المقيمين رحله *** وكان لها باغٍ سواي فبلّت

وكنت كذي رجلين في رجلٍ صحيحةٍ *** ورجلٍ رمى فيها الزّمان فشلّت

وكنت كذات الظّلع لمّا تحاملت *** على ظلعها بعد العثار استقلّت

أريد الثّواء عندها وأظنّه *** إذا ما أطلنا عندها المكث ملّت

فما أنصفت أمّا النّساء فبغّضت *** إلينا وأمّا بالنّوال فضنّت

يكلّفها الغيران شتمي وما به *** هواني ولكن للمليك استذلّت

هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ *** لعزّة من أعراضنا ما استحلّت

قال أبو علي‏:‏ قي لكثير‏:‏ أنت أشعر أم جميل‏؟‏ فقال‏:‏ بل أنا‏.‏ فقيل له‏:‏ أتقول هذا وأنت راويته‏؟‏‏!‏ قال جميل الذي يقول‏:‏

رمى اللّه في عيني بثينة بالقذى *** وفي الغرّ من أنيابها بالقوادح

وأنا أقول‏:‏

هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامر ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

وواللّه ما قاربت إلاّ تباعدت *** بصرمٍ ولا أكثرت إلاّ أقلّت

فإن تكن العتبى فأهلاً ومرحب *** وحقّت لها العتبى لدينا وقلّت

وإن تكن الأخرى فإنّ وراءن *** منادح لو سارت بها العيس كلّت

خليليّ إنّ الحاجبيّة طلّحت *** قلوصيكما وناقتي قد أكلّت

فلا يبعدن وصلٌ لعزّة أصبحت *** بعاقبةٍ أسبابه قد تولّت

أسيئي بن وأحسني لا ملومةً *** لدينا ولا مقليّةً إن تقلّت

ولكن أنيلي واذكري من مودّةٍ *** لنا خلّةً كانت لديك فضلّت

وإنّي وإن صدّت لمثنٍ وصادقٌ *** عليها بما كانت إلينا أزلّت

فما أنا بالدّاعي لعزّة بالجوى *** ولا شامتٌ إن نعل عزّة زلّت

فلا يحسب الواشون أنّ صبابتي *** بعزّة كانت غمرةً فتجلّت

فأصبحت قد أبللت من دنفٍ به *** كما أدنفت هيماء ثمّ استبلّت

وواللّه ثمّ اللّه ما حلّ قبله *** ولا بعدها من خلّةٍ حيث حلّت

وما مرّ من يومٍ عليّ كيومه *** وإن عظمت أيّام أخرى وجلّت

فأضحت بأعلى شاهقٍ من فؤاده *** فلا القلب يسلاها ولا العين ملّت

فيا عجباً للقلب كيف اعترافه *** وللنّفس لمّا وطّنت كيف ذلّت

وإنّي وتهيامي بعزّة بعد م *** تخلّيت ممّا بيننا وتخلّت

لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلّم *** تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت

كأنّي وإيّاها سحابة ممحلٍ *** رجاها فلمّا جاوزته استهلّت

قال أبو علي‏:‏ المأزمان‏:‏ عرفة والمزدلفة‏.‏ وأناديك‏:‏ أحادثك؛ مأخوذ من الندي والنادي جميعاً؛ وهو المجلس‏.‏ وميعة كل شيء‏:‏ أوله‏.‏ والصفوح‏:‏ المعرضة‏.‏ وبلت‏:‏ ذهبت‏.‏

قال أبو علي‏:‏ ما أعرف بلت ذهبت إلا في تفسير هذا البيت‏.‏ ولا العتبى‏:‏ الإعتاب، يقال‏:‏ عاتبني فلان فأعتبته، إذا نزعت عما عاتبك عليه، والعتبى الاسم، والإعتاب المصدر‏.‏

وقوله‏:‏ طلحت، الطلح‏:‏ المعيي الذي قد سقط من الإعياء‏.‏ وطلت‏:‏ هدرت‏.‏ وأزلت‏:‏ اصطنعت‏.‏ ويقال‏:‏ بل من مرضه وأبل واستبل، إذا برأ‏.‏ واعترافه‏:‏ اصطباره، يقال‏:‏ نزلت به مصيبة فوجد عروفاً، أي‏:‏ صبوراً‏.‏ والعارف‏:‏ الصابر‏.‏ هذا ما أورده أبو علي القالي‏.‏

وروى السيوطي‏:‏ في شرح شواهد مغني اللبيب عن أبي الحسن بن طباطبا في كتاب عيار الشعر أن العلماء قالوا‏:‏ لو أن كثيراً جعل قوله‏:‏

فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبة ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

في وصف حرب لكان أشعر الناس‏.‏ ولو جعل قوله أسيئي بن وأحسني البيت، في وصف الدنيا كان أشعر الناس‏.‏

وكثير بضم الكاف وفتح المثلثة وكسر الباء المشددة التحتية‏.‏ وهو كثير ابن عبد الرحمن بن أبي جمعة بن الأسود بن عامر‏.‏

وقال اللخمي‏:‏ هو كثير بن أبي جمعة‏.‏ وهو خزاعي، وأبو خزاعة الصلت بن النضر بن كنانة‏.‏

وفي ذلك يقول كثير‏:‏ الطويل

أليس أبي بالنّضر أم ليس والدي *** لكلّ نجيبٍ من خزاعة أزهرا

فحقق كثير أنه من قريش‏.‏ وقيل إنه أزدي من قحطان‏.‏ وهو شاعر حجازي من شعراء الدولة الأموية، ويكنى أبا صخر، واشتهر بكثير عزة بالإضافة إلى عزة وهي محبوبته؛ وغالب شعره تشبيب بها‏.‏

وعزة بفتح العين المهملة وتشديد الزاي‏.‏ والعزة في اللغة‏:‏ بنت الظبية، وبها سميت‏.‏ وهي كما قال ابن الكلبي‏:‏ عزة بنت حميل، بضم المهملة، ابن حفص بفتحها، من بني حاجب بن غفار، بكسر المعجمة وخفة الفاء، وكنيتها أم عمرو الضمرية، نسبة إلى قبيلة ضمرة‏.‏ وكثيراً ما يطلق عليها الحاجبية، نسبة إلى جدها الأعلى، كقوله في هذه القصيدة‏:‏ الطويل

خليلّ إن الحاجبيّة طلّحت *** قلوصيكما وناقتي قد أكلّت

ومن الغرائب تفسير العيني للحاجبية هنا بالرمل الطويل‏.‏ وهو غفلة عن نسبها‏.‏

قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء‏:‏ بعثت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله إلى كثير، فقالت له‏:‏ يا ابن أبي جمعة، ما الذي يدعوك إلى ما تقول من الشعر في عزة، وليست على ما تصف من الجمال، لو شئت صرفت ذلك إلى من هو أولى به منها، أن ومثلي، فأنا أشرف وأوصل من عزة، وإنما أرادت تجربته بذلك، فقال‏:‏ الطويل

إذا وصفلتنا خلةٌ كي تزيله *** أبينا وقلنا‏:‏ الحاجبيّة أوّل

لها مهلٌ لا يستطاع دراكه *** وسابقةٌ ملحبّ لا تتحوّل

سنوليك عرفاً إن أردت وصالن *** ونحن لتلك الحاجبيّة أوصل

فقالت عائشة‏:‏ والله لقد سميتني لك خلة، وما أنا لك، وعرضت علي وصالك وما أريد، هلا قلت كما قال جميل‏:‏ الكامل

يا ربّ عارضةٍ علينا وصله *** بالجدّ تخلطه بقول الهازل

فأجبتها بالرّفق بعد تستّرٍ *** حبّي بثينة عن وصالك شاغلي

لو كان في قلبي كقدر قلامةٍ *** وصلتك كتبي وأتتك رسائلي

وروى القالي في أماليه عن العتبي قال‏:‏ دخلت عزة على عبد الملك بن مروان، فقال لها‏:‏ أنت عزة كثير‏؟‏ فقالت‏:‏ نعم‏.‏ قال لها‏:‏ أتروين قول كثير‏:‏ الطويل

وقد زعمت أنّي تغيّرت بعده *** ومن ذا الذي يا عزّ لا يتغيّر

قالت‏:‏ لا أروي هذا، ولكني أروي قوله‏:‏ الطويل

كأنّي أنادي صخرةً حين أعرضت *** من الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت

صفوحاً فما تلقاك إلاّ بخيلةً *** فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت

وروى ابن قتيبة في كتاب الشعراء إن عائشة بنت طلحة قالت لعزة‏:‏ أرأيت قول كثير‏:‏ الطويل

قضى كلّ ذي دينٍ فوفّى غريمه *** وعزّة ممطولٌ معّنى غريمها

ما كان ذلك الدين‏؟‏ قالت‏:‏ وعدته قبلةً فتحرجت منها‏.‏ فقالت‏:‏ اقضيها وعلي إثمها‏.‏

قال صاحب الأغاني‏:‏ كان ابن إسحاق يقول‏:‏ كثير أشعر أهل الإسلام، وكانت له منزلة عند قريش وقدر، وكان عبد الملك معجباً بشعره‏.‏

وقال الجمحي‏:‏ كان لكثير في النسيب نصيب وافر وجميل مقدم عليه، وعلى أصحاب النسيب جميعاً في النسيب، وكان له من فنون الشعر ما ليس لجميل، وكان راوية جميل‏.‏ وإنما صغر اسمه لشدة قصره وحقارته‏.‏

وقال الوقاصي‏:‏ رأيت كثيراً يطوف بالبيت فمن حدثك أنه يزيد على ثلاثة أشبار فلا تصدقه، وكان إذا دخل على عبد الملك وأخيه عبد العزيز يقول‏:‏ طأطئ رأسك لا يصيبه السقف‏!‏ وهجاه الحزين الكناني بقوله‏:‏ الطويل

قصير قميصٍ فاحشٌ عند بيته *** يعضّ القراد باسته وهو قائم

وروى صاحب الأغاني عن طلحة بن عبيد الله قال‏:‏ ما رأيت أحمق من كثير، دخلت عليه يوماً في نفر من قريش وهو مريض، وكنا كثيراً ما نهزأ به وكان يتشيع تشيعاً قبيحاً، فقلت له‏:‏ كيف تجدك يا أبا صخر‏؟‏ قال‏:‏ أجدني ذاهباً‏.‏ قلت‏:‏ كلا‏.‏ قال‏:‏ فهل سمعت الناس يقولون في شيئاً‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، يتحدثون بأنك الدجال‏.‏ قال‏:‏ أما لئن قلت ذاك فإني لأجد في عيني هذه ضعفاً منذ أيام‏.‏

فقال له محمد بن علي‏:‏ تزعم أنك من شيعتنا، وتمدح آل مروان‏!‏ قال‏:‏ إنما أسخر منهم وأجعلهم حيات وعقارب، وآخذ أموالهم‏.‏

وكانت وفاته في خلافة يزيد بن عبد الملك بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام‏.‏

قال جويرية بن أسماء‏:‏ مات كثير وعكرمة مولى بن عباس في يوم واحد، فقال الناس‏:‏ اليوم مات أفقه الناس وأشعر الناس‏!‏ ولم يتخلف رجل ولا امرأة عن جنازتيهما، وذلك في سنة خمس وسبع ومائة وغلبت النساء على جنازة كثير يبكينه‏.‏ ويقال‏:‏ أنه لما حضرته الوفاة قال‏:‏ الوافر

برئت إلى الإله من ابن أروى *** ومن دين الخوارج أجمعينا

ومن عمرٍ برئت ومن عتيقٍ *** غداة دعي أمير المؤمنينا

ثم خرجت روحه كأنها حصاة وقعت في ماء‏.‏

قال ابن السيد في شرح أبيات الجمل‏:‏ هذا الشعر من حماقته ورفضه‏.‏ وابن أروى هو عثمان بن عفان رضي الله عنه‏.‏

وقد أطنب الأصبهاني في الأغاني في ترجمته‏.‏